والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنها شئ واحد ، ولكن الذي عرف هو قول النصارى في ابتداء شؤونهم : باسم الأب والابن والروح القدس ، وهو في زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد . فأراد اللّه أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوى على ثلاثة معان : الأول ذات ، والآخران صفتان - فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الأب عندهم ، والرحمن وصف الفعل المتجدّد الصادر من فيض الكرم ، وهذا يقابل الابن لزعمهم أنه منبثق من الذات ، والرحيم يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس وهي التي يرجع إليها الفعل المتجدّد - وباعتبارها يصدر ويتجدد وهو يقابل روح القدس فإنه عندهم الصلة بين الأب والابن وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات ، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث ، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرا منها من ألفاظ التنزيه .
ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده مع الأب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة . وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة في كل سورة ، والندب إلى الافتتاح بها في كل عمل ذي بال " « 1 » .
أقول « 2 » : لو قبل أهل الدين من النصارى هذا التفسير : لانحلت أعظم عقدة تباعد بين عقيدتي المسيحية والإسلام .
ومجمل القول : أنّ جمهور المفسرين على أن معنى الرحمن : المنعم بجلائل النعم ، ومعنى الرحيم : المنعم بدقائقها . وهو توجيه لا دليل عليه ، أو أنهما بمعنى واحد والثاني تأكيد للأول ، وهو رأى الجلال والصّبّان « 3 » ، وبعض المفسرين وهو ضعيف « 4 » ، إذ إن الحق أنه لا توجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود كما قال ابن جرير الطبري « 5 » . أو أن أحد الوصفين يدل على صفة الرحمة الثابتة له سبحانه ، والثاني يدل
هامش
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) القائل هنا : الإمام الشهيد رحمه اللّه .
( 3 ) قال في رسالته في تفسير ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) .
( 4 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 46 ) .
( 5 ) انظر : تفسير الطبري ( 1 / 94 ) ، وقد كتب شيخ الأزهر السابق الدكتور عبد الرحمن تاج رحمه اللّه بحثا علميا في غاية القوة والرصانة حول " من " في القرآن الكريم التي قالوا عنها : زائدة . فأبدع فيه رحمه اللّه ، فليراجع في كتابه " بحوث أصولية ولغوية " .