( رَبِّ الْعالَمِينَ )
قال البيضاوي : الربّ في الأصل مصدر بمعنى التربية ، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا ، ثم وصف به للمبالغة [ كالصوم والعدل ] « 1 » ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربّيه ، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيّدا [ أو مضافا ] « 2 » .
وقال الراغب : الرّب في الأصل : التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام .
ولا يقال الرب مطلقا إلا اللّه تعالى « 3 » .
و
( الْعالَمِينَ )
جمع عالم ، قيل : المراد به الناس خاصة على حدّ قوله تعالى :
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] .
وقيل : بل أهل العلم والإدراك من الخلق من الملائكة والإنس والجن .
وقيل : كل جملة متميّزة لأفرادها صفات تقرّبها من العاقل فهي عالم ، ولهذا جمعت على هذا النحو . ومنه عالم الإنسان ، وعالم النبات ، وعالم الحيوان . ولا يقال عالم الحجر أو الجبال أو نحوها من الجمادات .
وقيل : بل المراد بالعالمين جمع أجناس المخلوقات على حد قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[ الشعراء :
23 ، 24 ] ، ولعل أولى الأقوال بالصواب أن يقال : إن هذه المعاني جميعا تراد بهذا اللفظ بحسب القرينة . والمراد هنا المعنى الأخير فإنه سبحانه مربّى الخلائق جميعا .
والتربية الإلهية للخلق جميعا واضحة في كل مظاهر هذه العوالم ، دقيقها وجليلها ، فالجمادات يربيها الخالق سبحانه بهذه النواميس الكونية التي لا تتخلف من التفاعل والتحليل والتركيب والامتزاج والاتّحاد والتّحوّل .
وصنوف النبات يتضح فيها معنى التربية الإلهية بشكل أوضح مما في الجماد لما فيها من معاني الحياة ومبادئها ، فالجنين النباتى يظل مستجنّا في البذرة حتى يجد التربة الصالحة ، فينمو ويتحرك ويتغذى بما حوله من المواد الغذائية التي جهزت لهذا الغرض ،
هامش
( 1 ) ما بين معقوفتين ناقص وقد استدركته من تفسير البيضاوي .
( 2 ) انظر : تفسير البيضاوي ( 1 / 25 ، 26 ) وبهامشه حاشية الخطيب . طبعة مركز الكتب الثقافية . وما بين معقوفتين من إضافة الإمام الشهيد ، وليس من تفسير البيضاوي .
( 3 ) انظر : مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 366 ، مادة : رب . طبعة : دار القلم - دمشق .