تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
على حسب أذواقهم في التأليف والتبويب والتنسيق يبيّن مقاصد القرآن ومحاسن الإسلام مدعمة بآيات كريمة ، وترجم هذا الكتاب إلى اللغات ، وانتشر في الأمم لكان أجدى ، وأدعى إلى إدراك هذه القلوب الجديدة لمحاسن الإسلام ومواطن الجمال فيه ، وأبعد من أن يتناول كتاب اللّه بالنقد والتجريح من قوم لم يدركوا أسراره . وأمّا عن الترجمات الخاطئة : فلا بأس من التنبيه عليها ، سواء كان ذلك بإصدار بيان مستقل ، أو بتذييل رسائل الدعوة بالرد على هذه الأخطاء كما يرد على غيرها ، وبذلك ندرأ هذا الخطر إلى حد ما . وترجمة معاني القرآن الرسمية لا تأتى بأكثر من هذه الفائدة فمن الطبيعي أنه ليس معنى وجودها انعدام غيرها ، وليس معنى نشرها أن يقتنيها كل من عنده تلك الترجمات الخاطئة ، وعلى هذا فستظل هذه الترجمات ، وسيظل أثرها في بعض الرؤوس كما هو ، وربما ازداد عددها ، لأن الباب فتح للمترجمين على مصراعيه . وأما عن تغيير الأساليب في الدعوة فليس محصورا في ترجمة القرآن ، بل نشر الرسائل بلغات القوم هو من هذا التغيير ، وفيه الكفاية من ناحية . وهناك من الوسائل ما لا يمكن الاستغناء عنه أبدا ، وبدونه لا يمكن أن تنفع دعوة ، ومن هذه الوسائل : شخصية الداعي ، والظروف التي تحمل على اتباعه ، وما دام المسلمون ضعافا مستعبدين ، فستظل الدعوة ضعيفة ، و " إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " « 1 » . وإذا فمن أهم الوسائل في نجاح هذه الدعوة ، بل لعله أهمها أن يعمل المسلمون على تحرير أوطانهم ، واستعادة عزهم ومجدهم ، وتقوية أنفسهم ، وحينئذ يستجيب الناس لندائهم ، وتلقى دعوتهم من النجاح في تعريب الأمم ما لقيت دعوة أسلافهم . وإذا وصلوا إلى ذلك فقد أصبحوا في غنى عن ترجمة معاني القرآن ، وسارعت الأمم الأخرى إلى تفهّم القرآن العربي ودراسته . وهكذا نرى أن الأسباب التي اعتمد عليها أنصار المشروع لا توجبه ولا تؤيده فضلا عن الإسراع به ، وضياع الأوقات فيه ، وتكلّف النفقات الباهظة من أجله .
هامش
( 1 ) من أقوال عثمان بن عفان رضى اللّه عنه . انظر : نهاية الأرب ( 3 / 6 ) .
نظرات في كتاب الله — صفحة 118 | حسن البنا