تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
فارقت حاله حال موسى وداود وعيسى عليهم السّلام ؛ حيث كان أمّيا لا يقرأ ولا يكتب ، وهم كانوا قارئين كاتبين ، فلم يكن له بدّ من التّلقّن والتّحفّظ ، فأنزل عليه منجّما في عشرين سنة ، وقيل : في ثلاث وعشرين . وأيضا فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السّائلين ، ولأنّ بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتّى ذلك إلّا فيما أنزل مفرّقا . فإن قلت : ذلك في
كَذلِكَ
يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه ، والّذي تقدّم هو إنزاله جملة واحدة ، فكيف فسّرته ب ( كذلك ) أنزلناه مفرّقا ؟ قلت : لأنّ قولهم : لولا أنزل عليه جملة ، معناه لم أنزل مفرّقا ، والدّليل على فساد هذا الاعتراض أنّهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه ، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السّور ، فأبرزوا صفحة عجزهم ، وسجّلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة ، وفزعوا إلى المحاربة ، ثمّ قالوا : هلّا نزل جملة واحدة ؟ كأنّهم قدروا على تفاريقه حتّى يقدروا على جملته .
وَرَتَّلْناهُ :
معطوف على الفعل الّذي تعلّق به « كذلك » كأنّه قال : كذلك فرّقناه ورتّلناه ، ومعنى ترتيله أن قدّره آية بعد آية ، ووقفة عقيب وقفة . . . [ إلى أن قال : ] . وقيل : هو أن نزّله - مع كونه متفرّقا - على تمكّث وتمهّل في مدّة متباعدة ، وهي عشرون سنة ، ولم يفرّقه في مدّة متقاربة . ( 3 : 90 - 91 )

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ

الدّخان / 3 فإن قلت : ما معنى إنزال القرآن في هذه اللّيلة ؟ قلت : قالوا : أنزل جملة واحدة من السّماء السّابعة إلى السّماء الدّنيا ، وأمر السّفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر ، وكان جبريل عليه السّلام ، ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نجوما نجوما . فإن قلت :
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
ما موقع هاتين الجملتين ؟ قلت : هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان ، فسّر بهما جواب القسم الّذي هو قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ .
كأنّه قيل : أنزلناه ؛ لأنّ من شأننا الإنذار والتّحذير من العقاب ، وكان إنزالنا إيّاه في هذه اللّيلة خصوصا ؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة ،