وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ . . .
البقرة / 23
فإن قلت : لم قيل ( ممّا نزّلنا ) على لفظ التّنزيل دون الإنزال ؟
قلت : لأنّ المراد النّزول على سبيل التّدريج والتّنجيم ، وهو من محازّه « 1 » لمكان التّحدّي ، وذلك أنّهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند اللّه مخالفا ؛ لما يكون من عند النّاس لم ينزّل هكذا نجوما ، سورة بعد سورة وآيات غبّ آيات على حسب النّوازل ، وكفاء الحوادث ، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشّعر من وجود ما يوجد منهم مفرّقا ، حينا فحينا ، شيئا فشيئا ، حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجدّدة والحاجات السّانحة ، لا يلقى النّاظم ديوان شعره دفعة ولا يرمي النّاثر بمجموع خطبة أو رسالة ضربة ، فلو أنزله اللّه لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة ؛ قال اللّه تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 2 » .
فقيل : إن ارتبتم في هذا الّذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة
هامش
- فإن قلت : الموصوف بالحركة حقيقة هو المتحيّز بالذّات من الجواهر الأفراد وما يتركّب منها دون الأعراض ، فإنّه يمتنع فيها ذلك سواء كانت أجزاؤها مجتمعة كاللّون ، أو سيّالة كالصّوت الّذي هو جنس الكلام ، فكيف يتصوّر إنزال القرآن وتنزيله مع أنّهما تحريك من علوّ إلى أسفل ؟
قلت : ذلك مبنيّ على متعارف أهل اللّغة ؛ حيث يصفون الكلام بما يوصف به مبلغه ، فيقولون : نزل إلينا من القصر حكم الأمير ، وكلامه على سبيل الإسناد المجازيّ ، وصاحب « الكشف » جعل وصفه بالتّنزيل من هذا القبيل ، وحمل الإنزال على إظهاره في اللّوح المحفوظ ، زاعما أنّ للقرآن حركة معنويّة وهي الظّهور بعد الكمون لا زمانا بل ذاتا ، وأنّ تلك الحركة من الأعلى رتبة وشرفا ؛ لأنّ علوّ مرتبة واجب الوجود تعالى والقلم الأعلى على اللّوح لا يخفى ، وتفسير كلامه على ما نقل عنه ، أنّ القرآن كان كامنا في العلم الإلهيّ ، ثمّ أظهره اللّه تعالى بواسطة القلم الّذي هو العقل الأوّل في اللّوح المحفوظ الّذي هو نفس الكلّ ، وهذا الظّهور ليس بزمانيّ ؛ لأنّ الزّمان مقدار حركة الفلك الأعظم ، وهو متأخّر عمّا ذكر بمراتب .
ويرد عليه أنّه مبنيّ على قواعد الفلسفة ، وأنّ كونه في علم اللّه لا بدّ أن يكون أزليّا ، فإذا لم يتأخّر الظّهور في اللّوح عن الكمون زمانا بل ذاتا كان أزليّا ؛ إذ لو كان حادثا لكان متأخّرا زمانا اتّفاقا ، فيلزم قدم اللّوح والقلم ، وذلك باطل قطعا . ( هامش الكشاف 1 : 3 - 4 )
( 1 ) - المحازّ : جمع محزّ من الحزّ بمعنى القطع ، أي هذا المقام من المواضع الّتي تناسب اعتبار التّدريج في النّزول ، واستعمال لفظ التّنزيل لمكان التّحدّي .
( 2 ) - الفرقان / 31 .