سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
، أي سنجمع حفظ القرآن في قلبك وقراءته في لسانك ، حتّى
فَلا تَنْسى
كقوله :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .
قيل : كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يتلقّف القرآن من جبرئيل بسرعة ، فكان إذا قرأ آية كان أن يسبقه بالتّلقّف ؛ مخافة أن ينسى ، فأنزل اللّه سبحانه
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
، فلم ينس بعدها شيئا من القرآن البتّة ما عاش ، وفي هذا إعجاز عظيم .
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
، أي ممّا لم يقع به التّكليف في التّبليغ ، ولا يجب عليه أداؤه فينسيه اللّه سبحانه إذا شاء . وقال الحسن وقتادة :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أن ينسيه برفع حكمه وتلاوته ، كما قال تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
، والإنساء : نوع من النّسخ ، ونسخ اللّه عزّ وجلّ من كتابه ثلاثة ألوان ، منها ما أنسي رسوله ووضع عنه حكمه ، ومنها ما أنساه وأثبت حكمه كالرّجم ، والآيتان تشملان معا هذين اللّونين ، واللّون الثّالث ما أثبت ظاهره ووضع عنه حكمه . وقيل :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
، أي نعلّمك ونحفظ عليك ما نقرأه ، فلا تترك العمل بما أمرت به .
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ :
أن لا تعمل به بالنّسخ . حكي أنّ ابن كيسان النّحويّ حضر مجلس الجنيد يوما ، فقال : يا أبا القاسم ما تقول في قوله عزّ وجلّ :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
؟ فأجابه مسرعا كأنّه تقدّم السّؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به ، فأعجب ابن كيسان ذلك إعجابا شديدا ، وقال : لا يفضّض اللّه فاك ، مثلك تصدّر قوله :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
« 1 » من القول والفعل . قيل : يعني إعلان الصّدقة وإخفاءها .
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
، أي للخلّة اليسرى . واليسرى : الفعلي من اليسر ، وهو سهولة عمل الخير ، أي نسهّل لك العمل الّذي يوصلك إلى الجنّة .
وقيل : معناه نوفّقك للشّريعة اليسرى ، وهي الحنيفيّة السّمحة السّهلة .
وقيل : هو متّصل بالكلام الأوّل ، معناه
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ
، أي ما تقرأه على جبرئيل إذا فرغ من التّلاوة :
وَما يَخْفى :
ما تقرأه في نفسك مخافة النّسيان . ثمّ وعده فقال :
هامش
( 1 ) - الأعلى / 7