الأمّة وأعطاهم كتابا صغير الحجم ، عظيم الفضل وكثير الشّرف ، وأنزل خلال مدّة طويلة سورة سورة وآية آية ؛ ليكون أثبت في فؤاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمّته ، وأقرّ في قلوبهم ، وأحكم في صدورهم .
قال اللّه تعالى :
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
، لم ينزله بنسق واحد ؛ تعظيما له وتشريفا للأمّة ، فبعض أحكامه عامّ ، وبعضها خاصّ . وأنزل بعضها بنظم ظاهر ، وبعضها بنصّ قاطع ، وبعضها مجمل ، وبعضها مفسّر ، وبعضها مطلق ، وبعضها مقيّد ، وبعضها محكم ، وبعضها متشابه .
وإن كانت الآيات متشابهة لم يقف أحد فهم تنزيلها ، وإن كانت ظاهرة لم تكن لأحد مزيّة في تعليمها . وإن كانت كلّها متشابهة كان العالم والجاهل سيّان في الجهل ، وإن كانت كلّها ظاهرة فإنّهما سيّان في العلم ، ولكان التّفاضل بين الخلق معدوما . وتأبى رحمة اللّه أن تساوي بين العالم والجاهل ، وليس من الحكمة أن يتكافئان . بل تقتضي الرّحمة الرّبّانيّة والحكمة الإلهيّة أن يكون كلّ في موضعه ، ويشقّ طريقه وفق جهده .
قوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
، يعني جبرئيل ،
عَلى قَلْبِكَ
« 1 » ، يعني قلب المصطفى ؛ لأنّه كان في المشاهدة والوحي ، إذ أنزل به نزل بقلبه أوّلا لشدّة تعطّشه إلى الوحي ولاستغراقه به ، ثمّ انصرف من قلبه إلى فهمه وسمعه ، وهذا تنزّل من العلوّ إلى السّفل وهو رتبة الخواصّ . فأمّا العوام فإنّهم يسمعون أوّلا فينزل الوحي على سمعهم أوّلا ، ثمّ على فهمهم ، ثمّ على قلبهم وهذا ترقّي من السّفل إلى العلوّ ، وهو شأن المريدين وأهل السّلوك . فشتّان ما هما
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ .
( 7 : 171 )
حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
الدّخان / 1 - 3
اختلفوا في جواب القسم ، قيل : جوابه مقدّم ، أي والكتاب المبين ، حم ما هو كائن ، وقيل : جوابه قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
، وهو الأصحّ . والمعنى إنّا أنزلنا القرآن
فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
، وهي ليلة القدر ، أنزله جملة في ليلة القدر من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ،
هامش
( 1 ) - الشّعراء / 194 .