جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر ، ثمّ أنزل بعد في عشرين سنة . وقوله : في عشرين سنة ، فيه إيجاز بالاقتصار على ذكر العقدين الكاملين ، وحذف الكسر ، وهو سنتان وخمسة أشهر تقريبا .
ثالثا : أخرج ابن مردويه والبيهقيّ وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه أنّه سأله عطيّة بن الأسود ، فقال : وقع في قلبي الشّكّ . . . [ وذكر كما تقدّم عن الطّبريّ ثمّ قال : ] .
وقوله : وقع في قلبي الشّكّ ، لا يقصد به حقيقة الشّكّ ، فإنّ القرآن لا يشكّ فيه مسلم ، وإنّما مقصوده أنّ هذا التّعارض الّذي يبدو لأوّل وهلة يثير في النّفس حيرة في الفهم ، مع إيمان بأنّ القرآن حقّ لا ريب فيه .
وقوله : أنزل على مواقع النّجوم ، معناه أنّه أنزل مفرّقا على مثل مساقط النّجوم ، فإنّ النّجوم تسقط أمام الأنظار في أوقات مختلفة يتبع بعضها بعضا . وقوله : رسلا - بكسر الرّاء - معناه تؤدة ، أي في زمن طويل .
ولا شكّ أنّ نزول القرآن من اللّوح المحفوظ إلى موضع مخصوص في السّماء الدّنيا يسمّى بيت العزّة لا يقوله ابن عبّاس رضى اللّه عنه اجتهادا ولا تخمينا ، فإنّه من علم الغيب الّذي لا يطّلع اللّه عليه إلّا رسوله صلّى اللّه عليه وسلم .
وهذا النّزول الغيبيّ إن كان ممّا يحمل على القول به ، هو إبقاء الآيات الواردة في نزول القرآن على ظاهرها من نزوله جملة واحدة ، فإنّه لا يعارض نزوله الحسّيّ في التّاريخ المذكور ، أي ابتداء نزوله على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم مفرّقا ، بل إنّ الرّواية نفسها تشير إلى ذلك وتبيّن المراد به ، فهما إذن نزولان ؛ غيبيّ وحسّيّ ، وتاريخهما واحد « 1 » .
ويتساءل العلّامة الزّركشيّ « 2 » عن السّرّ في هذا النّزول ، ويجيب عن ذلك بقوله : فإن قيل : . . . [ وذكر كما تقدّم عن أبي شامة ، ثمّ قال : ]
وقد بيّن اللّه تعالى حكمة نزول القرآن مفرّقا لا جملة واحدة في موضعين في الكتاب العزيز ؛
هامش
( 1 ) - عبد اللّه كنون ( ذكرى نزول القرآن ) : 7 .
( 2 ) - البرهان 1 : 230 ، الإتقان 1 : 50 .