أمّا الحكمة الرّابعة : فهي تسهيل حفظ القرآن على المسلمين ، وفهمهم وتدبّرهم له ، فمن المعلوم أنّ العرب كانوا أمّيّين ، أي لا يقرءون ولا يكتبون وقد سجّل القرآن الكريم عليهم ذلك في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ . . .
« 1 » الآية ، كما كان صلّى اللّه عليه وسلم أميّا كذلك :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
« 2 » . فاقتضت حكمة اللّه أن ينزل كتابه المجيد منجّما ؛ ليسهل حفظه على المسلمين ، لأنّهم كانوا يعتمدون على ذاكرتهم ، فكانت صدورهم أنا جيلهم ، كما ورد في وصف أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم ، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه ، وعجزوا بالتّالي عن تدبّره وفهمه .
أمّا الحكمة الخامسة : فهي مسايرة الحوادث والوقائع في حينها ، والتّنبيه على الأخطاء في وقتها ، فإنّ ذلك أوقع في النّفس وأدعى إلى أخذ العظة والعبرة منها عن طريق الدّرس العمليّ ، فكلّما جدّ منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه ، وكلّما حصل منهم خطأ أو انحراف نزل القرآن بتعريفهم وتنبيههم إلى ما ينبغي اجتنابه ولطلب عمله . ونبّههم إلى مواطن الخطأ في ذلك الوقت والحين ، خذ مثلا على ذلك غزوة حنين ، فقد دخل الغرور إلى نفوس المسلمين ، وقالوا قولة الإعجاب والاغترار ، لمّا رأوا عددهم يزيد على عدد المشركين أضعافا مضاعفة ، حينذاك داخلهم العجب فقالوا : لن نغلب اليوم من قلّة . وكانت النّتيجة انكسارهم وانهزامهم وتولّيهم الأدبار ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
« 3 » . ولو أنّ القرآن نزل جملة واحدة لما أمكن التّنبيه على الخطأ في حينه ، إذ كيف يتصوّر أن تنزل الآيات في شأن المؤمنين واغترارهم ولم تحدث بعد تلك الواقعة أو الغزوة ؟ وكذلك الحال في أخذ الفداء من الأسرى في بدر ؛ حيث نزل التّوجيه السّماويّ
هامش
( 1 ) - الجمعة / 2 .
( 2 ) - الأعراف / 157 .
( 3 ) - التّوبة / 25 .