نَفْعِهِما . . .
« 1 » الآية . والمراد بالمنافع هنا المنافع المادّية الّتي كانوا يستفيدونها من وراء التّجارة والبيع للخمر ؛ حيث يربحون منها ، كما يربحون من وراء الميسر ، وقد جمع القرآن بين الخمر والميسر في الآية الكريمة ، ولا شكّ أنّ النّفع في الميسر مادّيّ بحت ؛ حيث يربح بعض المقامرين فكذلك في الخمر .
قال العلّامة القرطبيّ في تفسيره عند تفسير هذه الآية قوله تعالى :
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
أمّا في الخمر فربح التّجارة ، فإنّهم كانوا يجلبونها من الشّام برخص ، فيبيعونها في الحجاز بربح ، هذا أصحّ ما قيل في منتفعها . وبالمقارنة بين هذين الشّيئين تبيّن أنّ الإسلام نفّر من الخمر عن طريق بيان أضرارها الجسميّة ولكنّه لم يحرّمها ، وقد روي في سبب نزول هذه الآية أنّ جماعة من المسلمين فيهم عمر بن الخطّاب جاءوا إلى الرّسول الكريم ، فقالوا : يا رسول اللّه ، أخبرنا عن الخمر ، فإنّها مذهبة للعقل ، مضيّعة للمال ، منهكة للجسم ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ . . .
الآية .
وفي المرحلة الثّالثة : كان التّحريم للخمر ، ولكنّه كان تحريما جزئيّا ؛ حيث نزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ . . .
« 2 »
الآية . فقد حرّم اللّه عليهم الخمر وقت الصّلاة فقط حتّى يصحّوا من سكرهم ، فكان المسلمون يشربونها ليلا وفي غير أوقات الصّلاة .
وفي المرحلة الرّابعة : وهي المرحلة الأخيرة كان التّحريم الكلّيّ ، القاطع المانع ، حيث نزل قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ ، وَالْأَزْلامُ ، رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ . . .
« 3 » . . .
وهكذا تمّ تحريم الخمر تحريما بالتّدرّج ، فكان في ذلك أعظم حكمة جليلة سلكها الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعيّة . وقد جاء في كتاب « مناهل العرفان » للزّرقانيّ ما نصّه : وتدرّج الإسلام بهم في تحريم ما كان مستأصلا . . . [ وذكر كما تقدّم عنه ] .
هامش
( 1 ) - البقرة / 219 .
( 2 ) - النّساء / 43 .
( 3 ) - المائدة / 90 .