تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
بالبعث والجزاء ، ثمّ انتقل بهم بعد هذه المرحلة - مرحلة تثبيت دعائم الإيمان - إلى العبادات ، فبدأهم بالصّلاة قبل الهجرة ، ثمّ ثنّى بالصّوم وبالزّكاة في السّنة الثّانية من الهجرة ، ثمّ ختم بالحجّ في السّنة السّادسة منها ، وكذلك فعل في العادات المتوارثة . زجرهم أوّلا عن الكبائر ، ثمّ نهاهم عن الصّغائر في شيء من الرّفق ، وتدرّج بهم في تحريم ما كان مستأصلا في نفوسهم كالخمر والرّبا والميسر ، تدرّجا حكيما ، استطاع بذلك أن يقتلع الشّرّ والفساد من جذوره اقتلاعا كاملا . ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك التّشريع الحكيم الّذي نجح في انتهاجه القرآن ، في معالجة الأمراض الاجتماعيّة ، تحريم الخمر الّذي كان داء مستشريا عند العرب ، كيف استطاع أن يمحوه ويقضي عليه الإسلام ؟ لقد انتهج القرآن في تحريمه أربعة مراحل ، كما هو الشّأن في تحريم الرّبا ، فلم يحرّمه دفعة واحدة ؛ لأنّهم كانوا يتعاطون شرب الخمر كما يشرب الواحد منّا الماء الزّلال ، فلم يكن من الحكمة أن يحرّمه عليهم دفعة واحدة ، وإنّما حرّمه بالتّدريج . المرحلة الأولى : فبدأ أوّلا بالتّنفير منه بطريق غير مباشر ، فنزل قوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . .
« 1 » الآية ، فقد أخبر تعالى أنّه قد أنعم على النّاس بهاتين الشّجرتين : النّخيل والأعناب ، يستخرجون منهما السّكر ، أي الخمر الّذي يسكر ، والرّزق الحسن الّذي ينتفع منه النّاس من مأكول ومشروب ، فمدح الثّاني ووصفه بأنّه رزق حسن ، وأخبر عن الأوّل بأنّه سكر ، أي شيء يسكر ويذهب بعقل الإنسان . وبهذه المباينة في الوصف يتّضح لكلّ عاقل الفارق الكبير بين الأمرين المذكورين . المرحلة الثّانية : جاء التّنفير المباشر عن طريق المقارنة العمليّة بين شيئين : شيء فيه نفع مادّي ضئيل ، وشيء فيه ضرر جسميّ وصحّيّ وعقليّ جسيم ، وفيه كذلك زيادة على الإضرار العظيمة مهلكة للإنسان عن طريق وقوعه في الإثم الكبير ، استمع إلى قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ
هامش
( 1 ) - النّحل / 67 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 676 | السيد علي الموسوي الدارابي