وإذا تحرّر ذلك فاعلم أنّ القرآن يدلّ صريحا على نزوله في شهر رمضان ؛ لمكان قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 1 » . وليس في قباله دليل يدلّ على نزوله في شهر رجب . وكذا ليس لنا دليل متقن يدلّ على نزوله أو معناه جملة على قلب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله أو البيت المعمور . وكذا ليس لنا دليل يدلّ على الفرق بين الإنزال والتّنزيل .
فحينئذ نقول : معنى
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
أنّ نزول القرآن الّذي هو بركة وهداية تحقّق في شهر رمضان ، والنّبوّة في شهر رجب ، ولا ملازمة بينهما كما مرّ .
إن قلت : إنّ ظاهر الآية أنّ القرآن نزل جملة بتمامه في شهر رمضان .
قلت : فما وجه الظّهور ؟ ومرّ منّا أنّ القرآن كما يستعمل في الآية والسّورة ، يستعمل في تمام القرآن ، ومنه يظهر ضعف قولهم : إنّ المراد حينئذ ابتداء نزول القرآن . ووجه الضّعف أنّه ليس الأمر كذلك ، وليس نزول القرآن إلّا مثل الوحي والنّبوّة ، فكما يصحّ أن يقال : إنّه نزل وتحقّق الوحي والنّبوّة في رجب ويوم كذا ، يصحّ أن يقال : إنّه نزل القرآن في شهر رمضان ، بلا حاجة إلى التّفسير بنزول القرآن بابتداء النّبوّة . وإن شئت توضيح ذلك في العرفيّات فراجع قولهم ، فإنّهم يقولون : نزل الغيث أو السّيل في ساعة كذا ، فليس معناه ابتداء نزول الغيث أو السّيل في ساعة كذا ، مع أنّ ابتداءهما حقيقة في ساعة كذا لا كلّهما ، وليس هذا إلّا من باب أنّ الغيث والسّيل يصدق في الآن الأوّل أنّه غيث أو سيل ، وأنّه نزل في ساعة كذا ، هذا كلّه واضح وعدم القبول مكابرة .
فتحصّل من تمام ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تحقّقت نبوّته في سبع وعشرين من رجب بإخبار جبرائيل أو إسرافيل ، وكان يتردّد عليه بمجرّد الوحي بينه وبين نزول القرآن بما يقرب شهرين أو أكثر .
واحتمل المجلسيّ الأوّل عدم نزول القرآن عليه بعد المبعث ثلاث سنين ؛ حيث قال في شرحه الفارسيّ ما نصّه : « ممكن است از اوّل بعثت تا زمان وفات كه بيست وسه سال بود در سه سال متوالى يا متفرّق ، قرآن نيامده باشد » . . الخ . « 2 » واعتقد ما اخترناه من كون
هامش
( 1 ) - البقرة / 185 .
( 2 ) - كتاب الصّوم از شرح فارسي من لا يحضره الفقيه 2 : 141 .