حتّى أعلمه اللّه ( جلّ ذكره ) علم ما قد كان وما سيكون . وكان كثير من علم ذلك جملة يأتي تفسيره في ليلة القدر .
وكذلك كان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قد علم جملة العلم ، ويأتي تفسيره في ليالي القدر ، وهذا المعنى هو الّذي اختاره الفيض في آخر المقدّمة التّاسعة ؛ حيث قال : وبالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان ، كما قال سبحانه :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 1 » - يعني في ليلة القدر منه -
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
إلى أن قال : وقد قال اللّه تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، أي حين أنزلناه نجوما ، فإذا قرأنا عليك حينئذ
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
، أي جملته :
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
في ليلة القدر ، بإنزال الملائكة والرّوح فيها عليك وعلى أهل بيتك من بعدك ، بتفريق المحكم من المتشابه ، وبتقدير الأشياء ، وتبيين أحكام خصوص الوقائع الّتي تصيب الخلق في تلك السّنة إلى ليلة القدر الآتية .
قال في « الفقيه » تكامل نزول القرآن ليلة القدر ، وكأنّه أراد به ما قلناه . وبهذا التّحقيق حصل التّوفيق بين نزوله تدريجا ودفعة ، واسترحنا من تكلّف المفسّرين ، انتهى كلامه .
وهكذا اختار في « الوافي » كتاب الحجّة ، وإن شئت فراجع .
والإنصاف أنّه كلام جيّد بالنّسبة إلى الأخبار ، ولعلّه من بطن القرآن الّذي كشفته الأخبار ، فمع قطع النّظر عن الأخبار وكشفها ، الحقّ الحقيق الّذي لا معدل عنه هو ما قلناه من نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان بنزول خمس آيات من أوّل سورة اقرأ ، وأنّ النّبوّة تحقّقت في رجب ، ولا ملازمة بينهما ، وليس فيه أيّ تكلّف ، فالوجهان وجيهان مقبولان عندنا .
وهذا ما تيسّر لنا عاجلا ، واللّه العالم بحقائق الأمور ، والهادي إلى الصّواب والرّشاد .
( 1 : 12 - 86 )
هامش
( 1 ) - البقرة / 185 .