نزلت مرّتين ، فلذا قيل : السّبع المثاني ؟
قلت : أوّلا - أنّ هذا غير مسلّم به ، كما يأتي بيانه في محلّه إنشاء اللّه .
وثانيا : على فرض تسلّمه هو دليل على أنّ القرآن لم يكن نازلا مرّتين ، وإلّا لا يكون من خصوصيّات الفاتحة . والحاصل أنّ من إثبات نزولين للفاتحة يثبت عدم نزول القرآن مرّتين ، وهذا مسلّم به .
وقد اكتفينا في ردّ هذا القول نزول القرآن جملة على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بهذه الوجوه الخمسة مخافة الملل ، كما اكتفينا في نقل الأقوال المتعرّضة لحلّ المسألة وتوجيهها على ثلاثة أقوال ؛ لئلّا يكون البحث فيها نقلا ونقصا من باب التّطويل بلا طائل ، لأنّ أكثرا أبحاثها قد علم ممّا ذكرنا .
فإذا أحطت خبرا بما حرّرناه فقد حان بيان المختار في المقام ، فنقول : لا بدّ لبيانه من تقديم أمور ؛
الأوّل : في كيفيّة استعمال لفظ القرآن ، فقد يظهر من كلام بعض المفسّرين أو أكثرهم أنّ إطلاق القرآن على القرآن الموجود بأيدينا من سورة الفاتحة إلى آخره هو على الحقيقة ، وأنّ استعماله في سورة أو آية أو بعض القرآن على المجاز يحتاج إلى العناية ، ولكنّ الحقّ خلافه ؛ لأنّ استعمال القرآن مثل استعمال الماء في القليل والكثير على الحقيقة وتشهد عليه اللّغة ، بل صرّح عليه بعض الأصوليّين وغيرهم ؛ قال أبو البقاء في كلّيّاته : وفي التّلويح : هو ( القرآن ) في العرف العامّ اسم لهذا المجموع ، وعند الأصوليّة وضع تارة للمجموع وتارة لما يعمّ الكلّ والبعض . فيكون القرآن حقيقة فيهما باعتبار وضع واحد « 1 » .
ولصاحب المعالم هاهنا تحقيق رشيق في بحث الحقيقة اللّغويّة ، وإليك نصّه ؛ قال :
والضّمير في
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
للسّورة لا للقرآن ، وقد يطلق القرآن على السّورة وعلى الآية ، فإن قيل : يصدق على كلّ سورة وآية أنّها بعض القرآن ، وبعض الشّيء لا يصدق عليه أنّه نفس ذلك الشّيء .
هامش
( 1 ) - كلّيّات أبي البقاء : 521 .