قلنا : هذا إنّما يكون فيما لا يشارك البعض الكلّ في مفهوم الاسم ، كالعشرة فإنّها اسم لمجموع الآحاد المخصوصة ، فلا يصدق على البعض ، بخلاف نحو الماء ، فإنّه اسم للجسم البسيط البارد الرّطب بالطّبع ، فيصدق على الكلّ وعلى أيّ بعض فرض منه ، فيقال : هذا البحر ماء ، ويراد منه مفهومه الكلّيّ ، ويقال : إنّه بعض الماء ، ويراد منه مجموع المياه الّذي هو أحد جزئيات ذلك المفهوم .
والقرآن من هذا القبيل ، فيصدق على السّورة أنّها قرآن ، وبعض من القرآن بالاعتبارين . على أنّا نقول : إنّ القرآن قد وضع بحسب الاشتراك للمجموع الشّخصيّ وضعا آخر ، فيصحّ بهذا الاعتبار أن يقال : السّورة بعض القرآن ، انتهى كلامه .
وهذا هو الّذي ذكره السّيد في « درره » ؛ حيث قال : والجواب الصّحيح أنّ قوله تعالى :
الْقُرْآنُ
في هذا الموضع لا يفيد العموم والاستغراق ، وإنّما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق « 1 » ، انتهى ما رمنا من كلامه ، وإن شئت فراجع تمامه .
والاستعمالات القرآنيّة والعرف ، واستعمالات الأئمّة عليهم السّلام يؤيّد ذلك :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
« 2 » ،
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
« 3 » ،
فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ
« 4 » .
وكقولهم : أخاف أن ينزل فيّ القرآن ، ونحوه . وكذا قولهم : تستحبّ قراءة القرآن أو تكره ، وأمثال ذلك في الرّوايات كثيرة ، فلا حاجة إلى نقلها ، وأنت ترى أنّ لفظ القرآن استعمل في كلامه تعالى والأئمّة : والعرف في بعض القرآن بلا عناية .
الأمر الثّاني في كيفيّة شروع الوحي ، وإثبات أنّه كان تدريجا . اعلم أنّه يظهر من بعضهم أنّه تحقّق الوحي والنّبوّة بنزول جبرائيل بالقرآن ، إلّا أنّ الظّاهر خلافه . وهذا هو الّذي يظهر من الأخبار ، وأنّه كان يرى أوّلا في النّوم رؤيا صادقة ، ثمّ كان يسمع صوت
هامش
( 1 ) - الدّرر 2 : 253 .
( 2 ) - الأعراف / 203 .
( 3 ) - الإسراء / 45 .
( 4 ) - الجنّ / 1 - 2 .