يلائم مع التّدريج لا الدّفعيّ .
منها قوله :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها . . .
« 1 » . فتزويج اللّه تعالى زينب رسوله بعد طلاق زيد لا يصحّ إلّا بمجيء زمانه ، فكيف يصحّ نزول القرآن جملة في مكّة مع عدم مجيء حينه ؛ بل مع عدم تحقّق موضوعه لا يصحّ قوله تعالى :
زَوَّجْناكَها .
منها قوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
« 2 » .
وهذه الآية تنادي بأعلى صوتها أنّه تعالى يقول لنبيّه : قد نرى فعلا تقلّب وجهك في السّماء ، وكأنّه كان ينتظر الأمر بتردّد وجهه . فحينئذ تقلّب وجهه موضوع لنزول الآية ، فلا يصحّ أنّ تنزل قبل هذا ، لعدم تحقّق موضوعه ، وهذا واضح لمن له أدنى تأمّل ، إلى غير ذلك من الآيات .
الرّابع : أنّ الرّوايات دالّة على أنّه لم يكن عالما بالقرآن قبلا ، بل أخبره اللّه تعالى بإنزال القرآن عليه تدريجا ونجوما ، وهي كثيرة ، منها ما ورد في ذيل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ . . .
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى . . .
« 3 » .
وفي المجمع : قال المفسّرون : إنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا ، وبعثوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يأتيهم ، فأتاهم وصلّى فيه ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بنى غنم بن عوف ، فقالوا نبني مسجدا فنصلّي فيه ، ولا نحضر جماعة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، وقيل : خمسة عشر رجلا ، فبنوا مسجدا جنب مسجد قبا .
فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو يتجهّز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه ، إنّا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة وللّيلة المطيرة والشّاتية ، وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّي على جناح السّفر ، ولو قدمنا أتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم » . فلمّا انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد .
هامش
( 1 ) - الأحزاب / 37 .
( 2 ) - البقرة / 144 .
( 3 ) - التّوبة / 108 .