العلّامة ؛ حيث قال بعد مقدّمة : ويؤول المعنى إلى أنّك تعجل بقراءة ما لم ينزّل بعد ؛ لأنّ عندك علما به في الجملة ، لكن لا تكتف به . . الخ . فشئ منكر ؛ لأنّ الدّخول في كلام المتكلّم العادي ، وتكلّم المخاطب وسط كلامه قبل تمام كلام المتكلّم قبيح ، لا يرتكب به فرد متعارف ، فكيف يرضى المسلم العارف بمقام الرّسالة - مع أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان عارفا بمقامه تعالى ، وأنّ الملك إنّما يقرأ كلامه تعالى ، وأنّ الوظيفة إذا قرئ القرآن لا بدّ من الإنصات والاستماع - أن يقول : إنّه صلّى اللّه عليه وآله دخل على كلامه تعالى ، وقرأ ما لم ينزل ولم ينصت ولم يسمع كلامه تعالى . مع عدم أيّ فائدة في عجلته هذه ، إلّا أن يشعر الملك مثلا أنا عارف بالقرآن قبل وحيك وقراءتك ، وهذا شيء لا يمكن احتماله في حقّه صلّى اللّه عليه وآله .
هذا كلّه مع أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله كان ينتظر كثيرا لنزول القرآن من ربّه ، وكان مشتاقا .
ولعلّ هذا واضح عند كلّ من له اطّلاع بحالاته صلّى اللّه عليه وآله ، فعليه لا معنى للعجلة بالمعنى الّذي ذكره .
وأمّا قول العلّامة : لأنّ عندك علما به في الجملة ، لكن لا تكتف به ، ففيه أوّلا : أنّ أصل القرآن وحقيقته ليس بعض القرآن حتّى يقال في الجملة ، بل هو عينه كما صرّح به مرارا .
وثانيا : العلم الإجماليّ يوجب السّكوت لا العجلة كما لا يخفى .
وأمّا الآية الثّانية قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
« 1 » . فظاهر الآية أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يحرّك لسانه عند نزول الوحي ، ويستعجل بقراءة القرآن قبل تمام الوحي ، فنهاه تعالى عن ذلك ، وأشار إلى سبب تعجيله ، وأنّه كان يخاف من تلفه ونسيانه ، فقال : إنّ علينا جمعه لك في صدرك وقراءته عليك ، فإذا قرأناه عليك تماما فاتّبع قراءته واقرأ .
وهذا المعنى وردت فيه روايات عديدة عن ابن عبّاس وغيره ، ولعلّه يأتي منّا الإشارة إلى بعضها ، وهو الّذي ذكره أوّل مفسّري الشّيعة ، أعني الشّيخ في تبيانه ، وعليه دليل من نفس الآية ، فإنّ قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
في مقام التّعليل لقوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
، وهذا التّعليل يناسب ما ذكرناه ؛ لأنّ المعنى حينئذ لا تقرأ
هامش
( 1 ) - القيامة / 16 - 17 .