النّزول التّدريجيّ .
قلت : أوّلا - فما فائدة النّزول حينئذ جملة إذا لم يجب العمل به حتّى بالنّسبة إلى نفسه ؟
وثانيا : أنّه لا معنى أصلا بعدم كونه مأمورا للعمل ؛ لأنّه بعد حصول العلم أنّه مكروه أو محبوب لا يجوز الارتكاب في الأوّل والتّرك في الثّاني ، ولو سلّمنا فهل كان مأمورا بالعمل على خلافه حتّى تتورّم قدماه ؟ فمنه يظهر حال الآية الثّانية .
فالنّتيجة إنّ الالتزام بأنّه كان عالما بتمام القرآن بنزوله جملة لا تساعده الآيات القرآنيّة .
وثالثا : أنّ تفسير الآيتين بما ذكره وبيّنه غير مستقيم كما لا يخفى على من نظر بعين الإنصاف .
بل عندنا أنّ الآيتين تدلّان أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان مشفقا لحفظه أو أخذه ، وكان يعجل بذلك حتّى لا ينساه أو يأخذه ، وبذلك قرائن من نفس الآيتين كما سنبيّن ، ومن خارجهما كقوله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
« 1 » . هذا إجمال الكلام ، وأمّا تفصيل المطلب فنقول :
أمّا الآية الأولى
لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 2 » ، ذكر المفسّرون فيها وجوها ، فإليك نصّ الشّيخ في التّبيان : أي لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك وحيه ، وقيل : معناه لا تلقه إلى النّاس قبل أن يأتيك بيان تأويله ، وقيل : ولا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من أدائه إليك ، انتهى كلامه .
وقبل بيان المختار نقول : إنّ حمل الآيتين بمعنى واحد بعيد بل لا يصحّ ، وإن فسّرهما بمعنى واحد العلّامة وغيره ؛ لأنّ التّكرار في النّهي عنه صلّى اللّه عليه وآله لا معنى له ، لأنّ النّبيّ بالنّهي الأوّل . كان ينتهي ، فلا وجه لنزوله ثانية بعد مدّة . كما ذكر في ترتيب النّزول أنّ القيامة نزلت قبل طه بأكثر من عشرة سور ، فلا بدّ أن تحمل الآيتان بمعنى يغاير إحداهما الأخرى .
هامش
( 1 ) - الأعلى / 6 .
( 2 ) - طه / 114 .