به ، وجعل الجملة صفة للكتاب المكنون الّذي فيه القرآن ، وهو اللّوح المحفوظ ، وقال : إنّ للقرآن موقعا هو في الكتاب المكنون لا يمسّه هناك إلّا المطهّرون ، وأنتج أنّ حقيقة القرآن وأصله الّذي هو خال عن التّفصيل والعربيّة هو النّازل عليه صلّى اللّه عليه وآله في شهر رمضان جملة .
وعليه يكون قوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ
كالجملة المعترضة بين أوصاف القرآن . وما اختاره بعيد من وجوه ؛
الأوّل : أنّه ليس غرض الآيات بيان أنّ أصل القرآن شيء لا يفهمه أحد ، والمقام لا يناسب لبيانه ، بل المقام في بيان حال القرآن وأوصافه ، وأنّه نافع لكرامته ، وأنّه في كتاب مكنون محفوظ ، لا يمكن التّصرّف فيه والتّحريف ، وأنّ هذا القرآن لكرامته وعظمته لا يجوز مسّه بلا طهارة ، وفي المرتبة الرّابعة أنّه تنزيل من ربّ العالمين ، وليس كلام عاديّ ولا سحر ونحوه
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
« 1 » .
الثّاني : أنّ حمل المسّ على اللّمس المعنويّ لعلّه لا شاهد له في لغة العرب ، كما يفهم من لسان العرب والمفردات ، وفسّر الأخير المسّ باللّمس « 2 » .
وفي المصباح المنير : مسسته ، . . . أفضيت إليه بيدي من غير حائل .
وأنكر المجلسيّ الأوّل رحمه اللّه استعمال المسّ في الفهم ؛ قال : وإن كان لفظ المسّ ظاهرا في المعنى الأوّل ( مسّ الورق ) ؛ لأنّ استعمال المسّ بمعنى الفهم في العرف الجديد ، والظّاهر أنّه لم يكن في كلام العرب ، ولا في عرفهم ذلك ، « 3 » وقال مثله في شرحه الفارسيّ على « من لا يحضره الفقيه » .
الثّالث : أنّ الأخبار الواردة عنهم عليهم السّلام يخالف هذا الوجه ؛ لأنّ الكاظم والباقر عليهما السّلام فسّرا
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
بالمصحف الموجود ومسّه ؛ عن أبي الحسن عليه السّلام قال :
« المصحف لا تمسّه على غير طهر ، ولا تمسّ خطوطه ولا تعلّقه ، إنّ اللّه يقول :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
،
هامش
( 1 ) - الواقعة / 81 .
( 2 ) - مفردات القرآن : مادّة « مسّ » .
( 3 ) - روضة المتّقين 1 : 239 .