ليكون المعنى أنّ هذا القرآن في العالم الأعلى مكنون ومحفوظ ، بحيث لا يمسّه إلّا المطهّرون ، وهم الأئمّة عليهم السّلام مثلا . ولا يخفى بعده ؛ لأنّه تكون الجملة حينئذ كالمعترضة ، فيكون قوله :
تَنْزِيلٌ
صفة ثالثة للقرآن .
هذا إجمال المطلب ، وإن شئت التّفصيل فنقول : إنّ غرض السّورة تقسيم النّاس في يوم القيامة ، ويشعر في ضمنه إلى حال المكذّبين للقيامة والقرآن ، ومن هنا يقول تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
، والضّمير للقرآن المعلوم من السّياق .
والمعنى ما بيّنت لكم لقرآن كريم نافع للنّاس ؛ لاحتوائه المعارف الّتي فيها السّعادة للبشر ، وهذا القرآن المحتوي للسّعادة في كتاب مكنون ، والكتاب المكنون هو ما في اللّوح المحفوظ ، أثبت اللّه فيه القرآن ، وهذا هو المعروف بينهم في تفسير كتاب مكنون .
وقد يقال : إنّه المصحف الموجود بأيدينا ، وهو المنقول عن مجاهد وغيره ، ويؤيّده قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » . لأنّ المراد حفظ ما في المصحف الموجود عن التّحريف . وهذا ظاهر كلام السّيد في « الدّرر » نقلا عن ابن الأنباريّ « 2 » .
فعلى أيّ حال - سواء كان المراد أنّ هذا القرآن في اللّوح محفوظ ، أو أنّ هذا القرآن الّذي بأيدينا محفوظ لا تصله يد التّحريف - أنّ مقتضى نظم الكلام حينئذ هو أن يكون قوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
صفة ثالثة للقرآن الموجود بأيدينا .
والمعروف بينهم أنّ المراد من المسّ هو اللّمس بالبدن ، فيكون معنى
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
، أي لا بدّ من الطّهارة حين المسّ . فحينئذ يشير إلى حكم شرعيّ ، فهو إخبار في مقام الإنشاء .
وقد يقال : إنّ المسّ بمعنى الدّرك كما في المفردات « 3 » :
لا يَمَسُّهُ
، أي لا يعلمه ، فحينئذ يكون المعنى أنّ هذا القرآن الموجود لا يدركه إلّا الأفراد المطهّرون .
وأمّا العلّامة فحمل المسّ بالمعنى الثّاني ؛ حيث قال في سورة الواقعة : فمسّه هو العلم
هامش
( 1 ) - الحجر / 9 .
( 2 ) - الدّرر 2 / 427 ذيل مجلس الثّاني والثّلاثون .
( 3 ) - مفردات القرآن : مادّة « طهر » .