وإن شئت توضيحه فنقول : التّفصيل هو التّمييز والتّبيين ، وكلّما اتّصف القرآن والكتاب به هو هذا المعنى .
وإذا راجعنا نفس القرآن نجده وافيا بالمدّعى ، فانظر إلى قوله تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ . . .
« 1 » .
هل يحتمل عاقل كون التّفصيل هنا بمعنى التّقطيع ؟ فإنّ معناه يكون حينئذ لقالوا :
لولا قطّعت آياته ، بل إنّهم حيث لم يفهموا لسان العجم يحسبونه حينئذ مجملا ، فيقولون بلسان الاعتراض : لولا فصلّت ، أي لولا بيّنت وتميّزت آياته .
وكذا قوله تعالى :
تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
« 3 » ، وقوله تعالى :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
« 4 » ، وكذا كلّ آية اشتملت على كلمة التّفصيل . إذا تقرّر هذا فقد اتّضح أنّ ما أفاده العلّامة في معنى الإحكام والتّفصيل لا أساس له .
الآية الثّانية والثّالثة : قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ
« 5 » . وقوله تعالى :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ . . .
« 6 » .
واعتقد العلّامة أنّ الآيتين كالآية السّابقة دالّة على أنّ تفصيل القرآن أمر طارئ على الكتاب ، فالكتاب شيء ، والتّفصيل الّذي يعرضه شيء آخر ، وأنّهم إنّما كذّبوا بالتّفصيل من الكتاب ؛ لكونهم ناسين لشيء يؤول إليه هذا التّفصيل وغافلين عنه ،
هامش
( 1 ) - فصّلت / 44 .
( 2 ) - الأعراف / 145 .
( 3 ) - الإسراء / 12 .
( 4 ) - الأنعام / 119 .
( 5 ) - الأعراف / 52 و 53 .
( 6 ) - يونس / 39 .