صفة له باعتبار لفظه ، فلذا أتى في تفسير سورة هود ما يوافق ما ذكرنا ؛ حيث قال :
فإنّما يتّصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون لا من جهة ألفاظه ، إلى أن نقل ما اختاره في سورة البقرة وردّه بأشدّ ردّ ؛ حيث قال : كقول بعضهم ؛ إنّ المراد أحكمت آياته جملة ثمّ فرّقت في الإنزال آية بعد آية ؛ ليكون المكلّف متمكّنا من النّظر والتّأمّل « 1 » .
وقال فيه : إنّ الأحرى بهذا الوجه أن يذكر في مثل قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 2 » . وقوله تعالى :
قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 3 » .
وهذا القول الّذي نقله عن البعض وردّه هو القول نفسه الّذي كتبه في سورة البقرة كما مرّ آنفا .
والحاصل أنّ التّدبّر في الآية يعطينا أنّ الكتاب الّذي بأيدينا متّصف بوصفين :
الإحكام والتّفصيل ، دون ما في اللّوح وحقيقة القرآن - كما ادّعى ؛ لأنّ الإحكام والتّفصيل متعلّق بالآيات ؛ حيث قال :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
، فلو فرض كونه هو ممثّل القرآن وحقيقته ، فليس له هناك آية ، فعلى هذا ليس الإحكام صفة للكتاب الّذي هو الممثّل والحقيقة في العالم العلويّ .
وعلم منه أيضا أنّه ليس المراد من التّفصيل كونه قطعة قطعة ، وآية آية ، بل المراد أنّ آياته مع كونه محكما متقنا مفصّل ، وتفصيله إمّا باعتبار أنّه يذكر القصص والإحكام والعقائد بلا انحصار في شيء منها ، وإمّا باعتبار بيانه ؛ لأنّ المحكم كأنّه يلوح منه أنّ مطالبه مجملة مندمجة ، والحال أنّه فصلّت وأوضحت آياته ، كما قال في المفردات :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
إشارة إلى ما قال :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ .
والتّدبّر في ذيل الآية
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
يؤيّد ما ذكرناه ؛ حيث أنّ قوله :
حَكِيمٍ
يناسب إتقان الآيات ، فكأنّه يقول : إنّما أتقن لأنّه حكيم له الإتقان . وقوله :
خَبِيرٍ
يناسب تبيين الآيات ؛ لأنّه عالم بالأمور والخفايا .
هامش
( 1 ) - الميزان 10 : 142 - 143 .
( 2 ) - الدّخان / 2 .
( 3 ) - الإسراء / 106 .