وبالتّنزيل أخرى بمعنى التّدريجيّ ، فعلم أنّ الفرق المذكور لا أساس له .
هذا مع أنّ كلام العلّامة في ذيل الآية يدلّ على عدوله عن فرقه الّذي بنى عليه في حلّ المسألة ، نزول القرآن في شهر رمضان ، واعتقاده أنّ للقرآن نزولين ؛ حيث قال في ذيل قوله تعالى :
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ . . . :
قرأ أهل المدينة والشّام وعاصم
مُنَزِّلُها
بالتّشديد ، والباقون « منزلها » بالتّخفيف على ما في المجمع ، والتّخفيف أوفق ؛ لأنّ الإنزال هو الدّال على النّزول الدّفعيّ ، وكذلك نزلت المائدة . فأمّا التّنزيل فاستعماله الشّائع إنّما هو في النّزول التّدريجيّ كما تقدّم مرارا ، انتهى كلامه .
وأنت ترى صراحة كلامه في شيوع استعمال التّنزيل في التّدريج لا أنّ معناه ذلك ، مع أنّه قال في ذيل قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ :
إنّ معنى التّنزيل هو التّدريج فقط .
ولو تخلّص عن المخمصة بقوله : والتّخفيف أوفق ، فما يقول في قوله تعالى :
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
« 1 » ، بالتّشديد ، ولم ينقل من أحد قراءته بالتّخفيف ، فعلم أنّ الإنزال والتّنزيل بمعنى واحد .
ومن هنا قال في المجمع ذيل الآية : والوجه في التّشديد أنّ « نزّل » و « أنزل » بمعنى واحد ، يعني أنّ عدم موافقة جوابه تعالى بعيسى عليه السّلام لا يضرّ ؛ لأنّ « أنزل » و « نزّل » واحد .
هذا تمام الكلام من ناحية التّنزيل ، وأمّا الإنزال فإثبات استعماله في مقام التّدريج أمر مشكل بملاحظة توجيه العلّامة الآيات الّتي استعملت التّنزيل في التّدريج ؛ لأنّ كلّ مورد قلنا : إنّه استعمل في مقام التّدريج ، يقول : إنّه باعتبار المجموع ، كما أفاد في بيان الآيات الواردة في الغيث وأمثاله ، مع أنّه ادّعاء صرف ، لا وجه له .
نعم ، لو كان الفرق المذكور فرقا أساسيّا لا بدّ من المصير إلى هذا التّوجيه ، إلّا أنّ دون إثباته خرط القتاد .
ومع هذا جاءت في القرآن موارد استعمل الإنزال في مقام التّدريج ، ونشير إلى
هامش
( 1 ) - المائدة / 112 .