المعلوم أنّ الكفّار حيث أنكروا نزول القرآن عليه تدريجا ، فقالوا في مقام الاعتراض :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . . .
ومعنى
جُمْلَةً واحِدَةً
أن يكون مكتوبا مثل التّوراة المكتوبة في الألواح .
ويؤيّده - بل يدلّ عليه - قوله تعالى :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ
« 1 » .
وقد تقدّم منّا نقل خبر عن الكشّاف أنّهم قالوا تأتينا بكتاب من السّماء جملة كما أتى به موسى عليه السّلام .
فتحصّل أنّ استعمال التّنزيل في المقام إنّما يصحّ على عدم الفرق ؛ لأنّه لو فرض أنّ التّنزيل للتّدريج ، لا معنى لأن يقال : لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة في كتاب .
ولو فرض فرضا بعيدا أنّ نزول القرآن جملة واحدة قابل للتّدريج ، بأن ينزّل جبرائيل عليه السّلام من أوّل القرآن إلى آخره في مجلس واحد - حيث أنّ هذا عين التّدريج كما فرضه العلّامة في المقام - لا يستقيم أن يقال : إنّ التّنزيل بمعنى التّدريج ؛ لأنّ نزول القرآن تدريجا معناه هو ما وقع في الخارج من نزول القرآن قريب عشرين سنة .
فإذا فرض أن ينزّل في مجلس واحد فهو دفعيّ ، فيناسب الإنزال على مبناه ، مع أنّ حمل
جُمْلَةً واحِدَةً
على نزوله في زمان ممتدّ على ما أفاده ، مشكل جدّا .
المورد السّابع : قوله تعالى :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . . .
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا . . .
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
« 2 » .
فالمائدة - على ما هو الظّاهر - هو الطّبق الّذي عليه الطّعام كما في المفردات ، ففي الآيات المتواصلة جيء في ثلاثة موارد ، الإنزال والتّنزيل في طلب المائدة . فالشّيء الواحد - وهو الطّبق من الطّعام - لا يصحّ التّعبير عنه بالإنزال مرّة بمعنى الدّفعيّ ،
هامش
( 1 ) - النّساء / 153 .
( 2 ) - المائدة / 112 - 115 .