أنزلت دفعة .
وقد أشير إلى ذلك في أوّل سورة آل عمران ذيل تفسير الآية
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
« 1 » .
حيث قال العلّامة : ويقال : إنّه استعمل التّنزيل في القرآن والإنزال في التّوراة والإنجيل ؛ لنزولهما دفعة والقرآن تدريجا . [ ثمّ ذكر قول صاحب الكشّاف ، كما تقدّم عنه ، فقال : ] والحال أنّها بمرأى منه ؛ لأنّ الآيتين في سورة واحدة .
وهذا النّقض كاف في ردّ كلامه ، بلا حاجة إلى ذكر موارد استعماله في القرآن ، إلّا أنّه نذكر موارد أخر لزيادة البصيرة .
المورد الثّاني :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
« 2 » . الملائكة : جمع لملك ، وفي الآية استعملت الملائكة في الجمع ، ولذا أتت صفتها بلفظ الجمع
يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ .
واستعمل الملك في المفرد لمكان قوله :
رَسُولًا .
فإذا تقرّر ذلك ، وقد ظهر أنّه استعمل التّنزيل في الملك وهو غير قابل للتّدريج ؛ لأنّه لا معنى للتّدريج في الملك الواحد ، فعلم أنّ الإنزال والتّنزيل بمعنى .
فلذا نرى أنّه استعمل في القرآن في الملك مرّة بالتّنزيل كهذه الآية ، وأخرى بالإنزال والتّنزيل كقوله تعالى :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
« 3 » .
فعلم أن هذا إلّا تفنّنا في العبارة .
المورد الثّالث : قوله تعالى في قصّة إبراهيم عليه السّلام :
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً
« 4 » ، فقوله تعالى في الآية :
ما لَمْ يُنَزِّلْ
استعمل في غير التّدريج ؛ لأنّ المراد من « سلطان » الحجّة والبرهان ، فحينئذ لا يناسب أن يقال : ما دام لم ينزل تدريجا حجّة وبرهانا ؛ إذ ليس في المورد نظر إلى
هامش
( 1 ) - آل عمران / 3 .
( 2 ) - الإسراء / 95 .
( 3 ) - الأنعام / 8 و 81 .
( 4 ) - الأنعام / 81 .