وأقول وعليه التّكلان : قال في « الميزان » بعد ردّ جملة من الأقوال : والّذي يعطيه التّدبّر في آيات الكتاب أمر آخر ، فإنّ الآيات النّاطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة القدر منه إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدّال على الدّفعة دون التّنزيل ، كقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
، وقوله تعالى :
حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 1 » . وقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 2 » .
واعتبار الدّفعة إمّا بملاحظة اعتبار المجموع في الكتاب أو البعض النّازل منه ، كقوله تعالى :
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
« 3 » . . . [ إلى أن ذكر قوله : ( وإنّ تلك الحقيقة أنزلت على النّبيّ إنزالا فعلّمه اللّه بذلك حقيقة ما عناه بكتابه ) كما بيّنّا عنه في ذيل آية
شَهْرُ رَمَضانَ . . .
ثمّ قال : ] ومجمل كلامه من بدايته إلى نهايته هو أنّ للقرآن حقيقة غير هذا الّذي نزل مفرّقا ، وهذا القرآن ليس بقرآن حقيقة ، بل مثاله ولباسه وعكسه وظلاله .
وهذه الحقيقة الّتي يسمّيه بها هي أصل القرآن ، وليس فيه فصل وتفريق وآية وسورة ، إنّما هو على إحكامه وإتقانه بلا تجزئة أو تفريق ، أو وجود أيّ لفظ - عربيّا كان أو غيره - نزلت جملة على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في شهر رمضان . واستدلّ عليه بسبعة آيات كما مرّ منه مع توضيحه وبيانه .
وجعل مبنى ذلك كلّه في رفع الإشكال من التّعارض بين الآيات ، الفرق بين الإنزال الدّال على الإنزال الدّفعيّ ، وبين التّنزيل الدّال على النّزول التّدريجيّ .
وحيث كان هذا الفرق كالأصل لمدّعاه كان من اللّازم بيان موارد استعمال هذين اللّفظين في الكتاب العزيز واللّغة ، وبيان نقض مدّعاه ، وعدم مساعدة القرآن واللّغة عليه .
[ الفرق بين الإنزال والتّنزيل ]
فنقول : الفرق بين الإنزال والتّنزيل بما ذكره ليس من المسلّم به بين أهل اللّغة ؛ قال
هامش
( 1 ) - الدّخان / 1 - 3 .
( 2 ) - القدر / 1 .
( 3 ) - يونس / 24 .