والطّائفين بالبيت المعمور . . . » .
أقول : حديث حفص بن غياث ، وإن كان خبرا واحدا لا يمكن الأخذ به على نحو الجزم ، إلّا أنّه لا يجوز ردّه أيضا ، لعدم استحالة مفاده عقلا بحسب الواقع ؛ وهو كاف في دفع التّنازع القطعيّ بين نزول القرآن في عرض ثلاث وعشرين سنة وبين نزول مجموعه في شهر رمضان في ليلة القدر . أي يصير التّعارض احتماليّا لا قطعيّا .
الثّاني : قال بعض المفسّرين في رفع الإشكال ما خلاصته : إنّه يحتمل أن يكون المراد من نزول القرآن في ليلة القدر ، نزوله في مرتبة جملته وكلّيّته وفي مرتبة تجرّده . وقد نزل على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دفعة واحدة ، ثمّ برز إلى عالم التّفصيل والتّفريق نجوما وفصلا .
واعتمد في ذلك على وجوه :
الوجه الأوّل : إنّ لفظ « أنزل » ظاهر ومستعمل في النّزول الدّفعيّ . ثمّ استدلّ على لفظ الكتاب الحاكي - على زعمه - عن مرتبة الكلّيّة والتّجرّد .
وفيه أوّلا : أنّ الفرق بين « أنزل » و « نزّل » بالمعنى الّذي ذكره ، لا شاهد ولا دليل عليه ، لا بحسب المادّة ولا بحسب الهيئة . وثانيا : أنّ استعمال « أنزل » في النّزول التّدريجيّ و « نزّل » في النّزول الدّفعيّ غير عزيز في القرآن الكريم . قال تعالى :
طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
« 1 » .
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
« 2 » .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ
« 3 » .
والتّوجيه الّذي ذكره في قوله :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
« 4 » وإرجاع « أنزل » إلى النّزول الدّفعيّ ، لا شاهد عليه ولا يجوز الأخذ به . وقد استعمل « نزّل » في مورد الكتاب أيضا . قال تعالى :
هامش
( 1 ) - طه / 1 - 2 .
( 2 ) - طه / 113 .
( 3 ) - البقرة / 99 .
( 4 ) - لقمان / 10 .