قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
« 1 » . الظّاهر من السّياق أنّ هذا بشارة وتأييد ووعد لرسوله صلّى اللّه عليه وآله بجمعه القرآن وقراءته إيّاه عليه . فإنّ الظّاهر من الضّمير في قوله :
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
أنّ المراد هو القرآن لا أبعاضه وأجزاؤه . والمعنى : إنّ على عهدتنا وما جرى به قضاؤنا الحكيم ، أن نجمع هذا القرآن الّذي أنزلناه عليك متفرّقا ، وما ننزّله بعد ذلك ، إلى تمامه وكماله . وكذلك علينا قرآنه عليك مجموعا .
والقرآن مصدر من قرأ يقرأ على فعلان ، بمعني القراءة والتّلاوة . وسمّي الكتاب الكريم المنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قرآنا ، باعتبار أنّه مقروّ ومتلوّ ومن جنس ما يقرأ وما يتلى . وهذا من باب إطلاق الكتاب على المكتوب . وتوهّم بعضهم أنّه مأخوذ من قرأ بمعنى جمع - مثل : قرأت الماء في الحوض - وسمّي قرآنا باعتبار كونه مجموعا « 2 » .
والتّحقيق ما ذكرناه .
فمعنى قوله تعالى :
وَقُرْآنَهُ
أي : قراءته . قال الرّازيّ في تفسيره 30 : 224 : معناه :
علينا جمعه في صدرك وحفظك .
أقول : يرد عليه أنّ اللّه سبحانه قد جمع ما أنزل من القرآن متفرّقا وتدريجا في صدره وحفظه ، فلا يصلح أن يكون موردا لوعده تعالى ؛ لأنّه تحصيل للحاصل . وتوجيه ذلك بأن نجمعه في صدرك وحفظك ونثبّته على لسانك ، غير وجيه . لأنّه لا يدفع الإشكال ، مضافا إلى أنّه يكون إقراء لا قراءة .
إن قلت : أيّ مانع أن يقال أنّ مورد وعده تعالى ، هو ما بقي من القرآن بعد هذه السّورة المباركة ؟
قلت : لا مانع منه بحسب الفرض ، إلّا أنّ الآية الكريمة وإطلاقها لا يلائم التّبعيض ؛ بل الظّاهر أنّ مورد هذا الوعد الجميل الصّادق هو مجموع القرآن .
وفي التّبيان 10 : 196 ، عن ابن عبّاس والضّحّاك : معناه : إنّ علينا جمعه في صدرك وقراءته عليك حتّى يمكنك تلاوته .
هامش
( 1 ) - القيامة / 17 .
( 2 ) - مجمع البيان ج / 1 : 14 .