والثّالث : أنّه بيان لسنّته الفاضلة وعادته الكريمة في حقّ رسوله وصفيّه صلّى اللّه عليه وآله كما في قولنا : فلان يقري الضّيف ، ويكرم الجوار ؛ أي : إنّ هذا من دأبه وعادته .
فالظّاهر هو الثّالث ؛ إذ فيه بروز الامتنان والتّجلّي بالعطف والحنان . وإذا دخلت على الفعل المضارع السّين يفيد تأكّد تلك السّنّة المستمرّة الإلهيّة بالنّسبة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا تأكّد وقوعها في الاستقبال وتمحّضه وتخلّصه للاستقبال .
واستعمال السّين في الاستمرار - ولو في غير مورد الامتنان - غير عزيز في كلامه تعالى ، سواء كان بحسب الوضع ؛ كما ذكره ابن هشام عن بعض النّحويّين - خلافا للمشهور - أو قلنا إنّه بسبب القرائن المقاميّة ؛ كما في قوله تعالى :
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ
« 1 » .
وقد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ قوله تعالى :
فَلا تَنْسى
كاف وشاف في عصمته صلّى اللّه عليه وآله عن النّسيان ، وأنّ قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
« 2 » ، بمعزل عن إفادة تخوّفه عن النّسيان . وقد أورد الرّازيّ في تفسيره 30 : 222 ستّة أقوال لا جدوى في إيرادها .
أقول : والسّرّ فيما وقع فيه القوم ، إنّهم قد غفلوا أنّ نزول الملك على الإنسان ، ومشاهدة الإنسان إيّاه ومكالمته مشافهة ، ونزول القرآن والوحي عليه بواسطة الملك ، من باب الإعجاز ، ومن الأمور الخارقة للعادة . وكذلك أخذ الوحي والرّسالة والنّبأ الغيبيّ من الأشخاص المستورة تحت حجب الغيوب ، مع أنّ الرّسول بشر مثلنا ، من باب الاطّلاع والإشراف على الغيب المحجوب . وهو من أعظم معجزاته صلّى اللّه عليه وآله وليس أمرا عاديّا كي تجري فيه أحكام العادة ولوازمها من الخطأ والنّسيان .
وصفوة القول في ذلك بالبيان الإجماليّ : أنّه لا يخفى عند الفقيه العارف بمقام الرّسالة والنّبوّة والإمامة أنّه - سبحانه - ما أرسل ملكا رسولا إلى أحد من البشر ، وما جعل أحدا نبيّا إلّا مقارنة بإفاضة روح القدس عليه ؛ وهو العلم الحقيقيّ والعيان الصّريح
هامش
( 1 ) - النّساء / 91 .
( 2 ) - القيامة / 71 .