تحريمها . ولا دليل على أنّ النّهي كان بعد ارتكاب المنهىّ . فإنّ أقصى ما يدلّ عليه النّهي في باب النّهي التّشريعيّ ، الزّجر والمنع عن الطّبيعة المنهيّة . بل الظّاهر أنّ الآية الكريمة تذكرة وإرشاد إلى حسن التّثبّت والتّأنّي في شؤون الرّسالة ، وترسيم لأهمّ وظيفة من وظائفه صلّى اللّه عليه وآله وتأديب إلهيّ في شأن خطير من شؤون الرّسالة والنّبوّة في كيفيّة أخذ الرّسالة وتلقّي النّبوّة .
وما ذكره الزّمخشريّ من أنّه كان مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلّت منه ، لا محصّل له . فإنّه صلّى اللّه عليه وآله ما كان يتخوّف على نفسه النّسيان وذهاب الوحي والقرآن عن ذكره وحفظه ؛ وقد أنزل تعالى عليه سورة الأعلى في مكّة في أوائل أمره ، وفيها قوله :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
« 1 » .
فهو صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ بإقرائه تعالى ، ويستحيل منه النّسيان . ويجب على الزّمخشريّ وأمثاله أن يعرفوا أنّ سورة الأعلى قد نزلت قبل هذه السّورة المباركة وقبل سورة طه ، فلا مجال أن يقال إنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يتخوّف أن يتفلّت القرآن منه . ولا يجوز التّشبّث بالاستثناء في قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ .
فالظّاهر أنّ قوله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ
- إلى قوله -
نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
مسوق في مقام الامتنان وإبراز العطف والحنان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فليس معنى الآية أنّه تعالى إن شاء يقرئه ولم ينسه ، وإن لم يشأ لم يقرئه فينسه ؛ فيخرج الآية عن سياق الامتنان ، ويبطل الغرض المسوق له الكلام ، فينزل الغرض في الآية منزلة الأمور العادية . فالعناية في الاستثناء التّحفّظ على التّوحيد ، والتّحفّظ على إطلاق قدرته تعالى ، وأنّه - سبحانه - ليس مغلول اليد ، وأنّ كرامته تعالى على رسوله سواء كانت قبل مرتبة فعليّته العطاء أو في مرتبة فعليّة ليست على نحو الإيجاب ، بل إكرامه إيّاه وتفضّله عليه بمشيّته وعمده واختياره تعالى .
وقوله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ . . .
ففيه وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّه إخبار عمّا يفعله لرسوله من كرامة الإقراء وعدم النّسيان في المستقبل .
والثّاني : أنّه ميعاد من اللّه - سبحانه - بما يعطيه من كرامة الإقراء .
هامش
( 1 ) - الأعلى / 6 - 8 .