قد نزل خلال عشرين سنة ، لا يمكن الاطمينان إليه ؛ إذ يمكن أن يكون ذلك قد جاء على نحو التّقريب والتّسامح ، ولم يرد في مقام التّحديد الدّقيق ، ومن عادة النّاس أن يلقوا الزّائد القليل ، أو أن يضيفوه في إخباراتهم ، وليس في ذلك إخبار بخلاف الواقع ؛ لأنّ المقصود هو الإخبار بما هو قريب من الحدّ ، لا بالحدّ نفسه ، مع إدراك السّامع لذلك والتفاته إليه .
والنّتيجة هي أنّه لا مانع من أن يكون قد بعث صلّى اللّه عليه وآله وصار نبيّا في شهر رجب ، كما أخبر به أهل البيت عليهم السّلام وهيّئ ليتلقّى الوحي القرآنيّ :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
« 1 » ، ثمّ بدأ نزول القرآن عليه تدريجا في شهر رمضان المبارك . ولربّما يؤيّد ذلك ما ورد من أنّ الملك كان يتراءى له صلّى اللّه عليه وآله قبل أن ينزل عليه القرآن « 2 » .
ويرى المحقّق البحّاثة السّيد مهديّ الرّوحانيّ حفظه اللّه أنّه يمكن الجمع بين الآيات ، بأن يقال : إنّ شروع نزول القرآن كان في ليلة مباركة ، هي ليلة القدر من شهر رمضان :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 3 » ،
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 4 » ،
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 5 » . وكان أوّل ما نزل حسب روايات أهل البيت عليهم السّلام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . . .
« 6 » .
والاستدلال بهذه الآيات على أنّ القرآن نزل أوّلا دفعة إلى البيت المعمور أو على قلب النّبيّ ، ثمّ صار ينزل تدريجا في مدّة عشرين ، أو ثلاث وعشرين سنة ، وذلك اعتمادا على قرينة الحال ؛ حيث إنّ المسلمين يرون نزوله تدريجا غير صحيح ؛ لأنّ من الممكن أن يكون المراد بالإنزال والتّنزيل واحد ، وهو بدء النّزول ، فإنّه إذا شرع نزول المطر في
هامش
( 1 ) - المزّمّل / 5 .
( 2 ) - التّمهيد في علوم القرآن 1 : 83 ويحتمل أيضا أن يكون القرآن قد نزل في شهر رمضان في ليلة القدر دفعة ، لكنّه لم يؤمر بتبليغه ، ثمّ صار ينزل عليه تدريجا لأجل التّبليغ في المناسبات المقتضية لذلك .
( 3 ) - القدر / 1 .
( 4 ) - الدّخان / 2 .
( 5 ) - البقرة / 185 .
( 6 ) - العلق / 1 .