بمشيئة اللّه تعالى ، والإحكام الّذي يقابل التّفصيل هو وحدانيّة الشّيء وعدم تركّبه وتجزّئه .
ج - هناك آيات قرآنيّة تشير إلى وجود حقيقة معنويّة للقرآن غير هذه الحقيقة الخارجيّة اللّقيطة ، وقد عبّر عنها في القرآن ب ( التّأويل ) في غير واحدة من الآيات ؛ قال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
« 1 » ، وقال تعالى :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ
« 2 » .
فالتّأويل على ضوء الاستعمال القرآنيّ هو الوجود الحقيقيّ والمعنويّ للقرآن ، وسوف يواجه المنكرون للتّنزيل الإلهيّ تأويله وحقيقته المعنويّة يوم القيامة .
واستنتاجا من هذه المقدّمات الثّلاث ، فللقرآن إذن حقيقة معنويّة وحدانيّة ليست من عالمنا هذا العالم المتغيّر المتبدّل ، وإنّما هي من عالم أسمى من هذا العالم ، لا ينفذ إليه التّغيّر ولا يطرؤه التّبديل . وتلك الحقيقة هو الوجود القرآنيّ المحكم الّذي طرأ عليه التّفصيل بإرادة من اللّه جلّت قدرته ، كما أنّه هو التّأويل القرآنيّ الّذي تلمح إليه آيات الكتاب العزيز .
وإذا آمنّا بهذه الحقيقة فلا مشكلة إطلاقا في الآيات الّتي تتضمّن نزول القرآن نزولا دفعيّا في ليلة القدر وفي شهر رمضان ، فإنّ المقصود بذلك الإنزال هو هبوط الحقيقة المعنويّة للوجود القرآنيّ على قلب رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وانكشاف ذلك الوجود التّأويليّ الحقيقيّ للقرآن أمام البصيرة الشّفّافة النّبويّة ، فإنّ هذا الوجود المعنويّ هو الّذي يناسبه الإنزال الدّفعيّ ، كما أنّ الوجود اللّفظيّ التّفصيليّ للقرآن هو الّذي يناسبه التّنزيل التّدريجيّ .
هامش
( 1 ) - يونس / 38 - 39 .
( 2 ) - الأعراف / 52 - 53 .