لا دفعة واحدة .
وليس بغريب أن يؤرّخ العمل العظيم بالوقت الّذي ابتدأ فيه ، فإنّهم يقولون : إنّ الأهرام بنيت سنة كذا قبل الميلاد ، ويريدون ابتداء بنائها ، ضرورة العلم بأنّها لم تبن في سنة واحدة ، والقرآن الّذي أحدث انقلابا خطيرا في المجتمع الإنسانيّ من أعظم الأمور التّاريخيّة ، فيصحّ أن ينسب نزوله إلى الوقت الّذي ابتدأ نزوله فيه ، وإلى هذا نظر الإمام فخر الدّين الرّازيّ ؛ حيث قال في تفسيره بصدد الكلام على آية
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 1 » ما نصّه : وذلك لأنّ مبادئ الملل والدّول هي الّتي يؤرّخ بها ؛ لكونها أشرف الأوقات ، ولأنّها أيضا أوقات مضبوطة معلومة « 2 » ، وهذا كلام واضح بيّن الرّجحان .
وبهذا التّأويل تتّفق آيات القرآن ، والأحاديث الثّابتة ، والواقع المادّي على أنّ المراد من نزول القرآن في الآيات كلّها نزوله على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنّه نزل عليه منجّما لا دفعة واحدة . أمّا نزوله إلى بيت العزّة دفعة واحدة ، ثمّ نزوله بعد ذلك منجّما على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو من الأمور الغيبيّة الّتي لا يصحّ اعتقادها إلّا إذا ثبتت بدليل قاطع ، فإذا وجد سلّمنا وآمنّا به ، وإلى أن يوجد لا نستطيع أن نؤوّل الآيات على غير الوجه الّذي تقدّم رجحانه .
( ص : 32 - 36 )
هامش
( 1 ) - البقرة / 185 .
( 2 ) - أنظر تفسير الفخر الرّازيّ 2 : 182 الطّبعة الأميريّة .