تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
« 1 » ، وقد نزلت في حجّة الوداع الّتي كانت قبل وفاة الرّسول ببضع وثمانين يوما . وفيما بين ذلك كان ينزل بحسب الحوادث ، فقد كانوا يسألونه أحيانا عن الشّيء فينزل حكم اللّه فيه ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
« 2 » . وهكذا صار ينزل بالتّوالي تبعا لحاجة المسلمين إلى التّشريع ، وبذا يكون قد استمرّ نزوله ثلاثا وعشرين سنة تقريبا . والحكمة في نزوله مفرّقا على هذا النّحو ، أن يكون أيسر على أمّة محمّد حفظا وفهما ، وأن يكون أدعى إلى قبوله ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ؛ لأنّه كان ينفر من قبوله حينئذ كثير من النّاس ، لكثرة ما فيه من الأوامر والنّواهي ، وإلى هذا يشير ما رواه البخاريّ عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت : . . . [ وذكر كما تقدّم عن السّيوطيّ ، ثمّ قال : ] كما أنّ في ذلك تثبيتا لقلب الرّسول عليه السّلام ؛ لأنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة يكون أشدّ عناية به ، وأكثر تقوية لقلبه . وهذا مصداق قوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 3 » ، وقوله ردّا على الكافرين حينما طلبوا منه أن ينزل القرآن جملة واحدة ؛ حيث يقول :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 4 » ، أي أنزلناه منجّما على النّحو الّذي تراه ؛ لنثبّت به فؤادك . ولم يكن نزوله مفرّقا على نسق واحد ، بل كان ينزل منه أحيانا الآية ، وأحيانا الآيتان ، وأحيانا الثّلاثة ، وأحيانا أكثر من ذلك على وفق ما تدعو إليه الحاجة .

دفع تعارض ظاهريّ

أثبتنا فيما تقدّم أنّ القرآن نزّل على الرّسول منجّما ، وهذا يقتضي أنّه لم ينزّل جملة
هامش
( 1 ) - المائدة / 3 . ( 2 ) - البقرة / 219 . ( 3 ) - الإسراء / 106 . ( 4 ) - الفرقان / 32 - 33 .