في وقت خاصّ من أوقات السّنة . ولكن قد ورد في القرآن ما ظاهره يناقض هذا ، وهو قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
« 1 » ، وقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 2 » ، وقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 3 » . فإنّ الآية الأولى تنصّ على أنّه نزل في رمضان ، والثّانية والثّالثة تدلّان على أنّه نزل في ليلة واحدة هي ليلة القدر ، وهي اللّيلة المباركة ، ومن حيث إنّ الثّابت من الأحاديث أنّ ليلة القدر إحدى ليالي رمضان يكون نزوله في ليلة من ليالي رمضان .
وهنا نقول : إنّ العلماء قد اختلفوا في طريقة دفع هذا التّعارض الظّاهريّ ، فاختلفوا في المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثّلاث الّتي تدلّ على نزوله في ليلة من رمضان .
فقال بعضهم : إنّ المراد بنزوله ، نزوله كلّه دفعة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في سماء الدّنيا ، وقد روي هذا القول عن ابن عبّاس ، فقد روى النّسائيّ وأبو عبيد والحاكم عن عكرمة عن ابن عبّاس أنزل القرآن جملة . . . [ إلى أن قال : ]
وقد رجّح هذا الرّأي جمع كبير من العلماء ، وأيّدوه بما رواه الإمام أحمد والبيهقيّ عن واثلة ، . . . [ وذكر الرّوايتين كما تقدّم عن الطّبريّ ، ثمّ قال : ]
وإذا نظرنا إلى هذا الحديث لا نجد فيه ما يدلّ على مدّعاهم ؛ لأنّه لم يرد فيه نصّ على أنّ القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، لأنّ قوله : « والقرآن لأربع وعشرين » كما يصدق بأن يكون المراد القرآن كلّه ، يصدق بأن يراد بعضه ، نظرا إلى أنّ لفظ « القرآن » يصحّ إطلاقه على بعض القرآن ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
« 4 » . ومعلوم قطعا أنّ هذه الآية لم تنزل بعد نزول القرآن كلّه ، بل نزلت في مكّة ، فهي من أواسط الآيات نزولا ، وحينئذ يكون لفظ
الْفُرْقانَ
فيها إنّما أطلق على بعض القرآن ، وهو الّذي كان قد نزل إلى حين نزول هذه
هامش
( 1 ) - البقرة / 185 .
( 2 ) - القدر / 1 .
( 3 ) - الدّخان / 2 .
( 4 ) - الفرقان / 1 .