تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
الآية . كما أنّه لم يصرّح في الحديث بالنّزول إلى بيت العزّة ، فكيف يسلّم أنّ هذا يكون دليلا على دعواهم ؟ وفضلا عن هذا ، فإنّ هذا الحديث معارض بحديث آخر أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال : أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان « 1 » . فهذا الحديث يدلّ على أنّ الكتب كلّها نزلت ليلة أربع وعشرين ، في حين أنّ الحديث الأوّل وزّع نزولها في رمضان ، وهذا تناقض ظاهر بين الحديثين يسقط الاعتداد بهما . ويقوّي عدم الاطمئنان للحديثين أنّه قد ورد من الأحاديث الصّحيحة ما يدلّ على عدم تعيين ليلة القدر ، فقد روى أحمد والبخاريّ ومسلم عن عائشة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان » . فهذا يدلّ على أنّ الرّسول عليه السّلام لم يعيّن ليلة القدر ، في حين أنّ الحديثين السّابقين يدلّان على أنّه عيّنها بأنّها في أربع وعشرين من رمضان . وبهذا يتبيّن أنّ هذين الحديثين لا يصلحان سندا لأصحاب هذا الرّأي ، ولا يقويان على إثبات ما ادّعوه . وليس معنى هذا أنّنا ننكر قول ابن عبّاس ومن معه ، ولكنّا نقول : إنّه قول لا يزال يحتاج إلى دليل . وقال بعض آخر : ليس المراد من نزول القرآن في الآيات الثّلاث السّابقة نزوله جملة واحدة ، بل المراد ابتداء نزوله ، وحينئذ يكون معنى نزوله في رمضان ابتداء نزوله على سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، لا نزوله جملة إلى بيت العزّة . وذلك لأنّ الّذي يتبادر إلى الذّهن من معنى نزول القرآن هو نزوله على الرّسول ؛ لأنّ ذلك هو الّذي يتعلّق به مصلحة النّاس ، وهي هدايتهم ببيان أحكام اللّه لهم . وهو الّذي يليق أن تجعل ليلة حصوله من ليالي القدر والشّرف والعظمة ، تبعا لما يتوفّر به من الهداية . أمّا نزوله إلى بيت العزّة قبل أن يصل إلى النّاس فلا يتحقّق به شيء من هذا . ومتى كان هذا هو المتبادر فلا يصحّ صرف الكلام عنه حتّى يقوم دليل يقتضي ذلك . وليس لدينا دليل من الكتاب أو السّنّة يقتضينا صرف الكلام عن هذا المتبادر . وعلى هذا يجب أن نفسّر نزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة القدر بابتداء نزوله ؛ لأنّ الواقع والأحاديث المتعدّدة دلّت على أنّه نزل على الرّسول منجّما
هامش
( 1 ) - أنظر الأتقان 1 : 51 .