مطالعة ما في يد اليهود والنّصارى الآن ينفى هذا الزّعم ، فالأناجيل المتداولة قصص كتبها تلامذة عيسى ، ودوّنوا فيها بعض تعاليمه الّتي صدرت عنه حسب الحوادث ، وكذلك الرّسائل الأخرى الّتي كتبها « بولس » وغيره .
والعهد القديم - كما نراه الآن - لا يختلف عن العهد الجديد في الزّمن الّذي تألّف فيه .
وليس في القرآن الكريم أنّ اللّه آتى عيسى الإنجيل دفعة واحدة ، ولا آتى موسى التّوراة دفعة واحدة . والألواح الّتي أخذها موسى كانت تحوي الوصايا العشر فقط .
ولا مانع - فعلا - من أن ينزل اللّه على بعض أنبيائه كتبا كاملة ، لكنّ هذه الكتب أن تكون أسسا لرسالات بعيدة المدى واسعة الشّرائع .
ربّما ضمّت بعض العظات والعبر ، وربّما جمعت بعض الحكم والأناشيد ، ربّما حوت طائفة من الأحكام الفرديّة لمدّة موقوتة . وذلك شيء غير ما انفرد به القرآن الكريم من خصائص وميزات ، جعلت نزوله يأخذ نسقا مربوطا بأحوال الحياة وشؤون النّاس فترة كافية للإحاطة بكلّ دقيق وجليل منها .
نعم ، فالسّنوات الثّلاث والعشرون الّتي استغرقت نزول القرآن يمكن حسبانها دورة اجتماعيّة كاملة ، تمّ فيها البيان الإلهيّ لسياسة الحياة والأحياء ، وما تفد به القرون بعد ذلك من أحوال نفسيّة واجتماعيّة لا يعدو أن يكون صورة مكرّرة لما سبق أن قال القرآن كلمته فيه :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
« 1 » .
لقد نزل القرآن منجّما حسب الحوادث ، فلنفهم هذه الحوادث ، لنفهم حقيقة القضيّة ومنحى الحكم جميعا ، وهذه الحوادث ليس خصومة نشبت بين أفراد ، بل هي سير حياة ، وطبيعة بشر ، وحال مجتمع ، أو هي كما قلنا : مثل يتكرّر على العصور لشؤون الحياة والأحياء ، والقرآن النّازل بإزائها هو الإرشاد الإلهيّ الخالد لهذه النّظائر المطّردة .
( ص : 19 - 23 )
هامش
( 1 ) - النّحل / 89 .