وتنكشف هذه الحكمة كلّها في قوله بعد :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
، أي أنّ النّاس سوف يتلقّون مطالع الرّسالة بصنوف من الاعتراض والتّساؤل ، وسيؤلّفون لها ردودا ، ويثيرون حولها شبها . وهنا تبدو الفائدة في نزول الوحي مجزّأ ، فإنّ الشّبه المثارة ستكون فرصة لمزيد من نور الحقّ يكشف ضلالها ، ويمحق محالها ، وسيتكفّل الوحي بالإجابة على كلّ سؤال ، والإزالة لكلّ خفاء .
وقد تكون تفرقة النّزول ظاهرة النّفع عند الحكم في القضايا المتجدّدة ، أو الإفتاء في المسائل العارضة .
بيد أنّ ذلك لا يجعلنا نغفل الأصل الّذي أشرنا إليه ابتداء ، إنّ ربع قرن في حياة النّاس ليس شيئا هيّنا ، إنّه مرحلة كبيرة في حياة الشّباب والشّيوخ والرّجال والنّساء ، وهو مرحلة تتّسع لشؤون كثيرة جدّا في العلاقات الفرديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة ، خصوصا إذا تراوحت أيّامه بين الحرب والسّلام ، وجمعت حوادثه بين أمم مختلفة .
وقد قام محمّد يدعو إلى اللّه قرابة هذه الفترة ، ويواجه العواطف والأفكار ، والأفراد والجماعات ، والشّدّة والرّخاء ، والنّصر والهزيمة ، والهجرة والاستقرار وأهل الكتاب وعبدة الأصنام ، والدّول المنظّمة ، والقبائل السّاذجة . وكان في هذا الإبّان الحافل يدخل في صميم الحياة ولا يحيا على هامشها .
كان الوحي ينزل طول هذه الفترة توجيها لما يستقبل أو تعقيبا على ما يستدبر ، كان القرآن الكريم طوال ثلاث وعشرين سنة ينزل وفيه حكم اللّه على ما يكون ، وفيه تحديد لموقف الإسلام ، لا بالأوامر المقتضية فحسب ، بل أحيانا بالقصص المفصّلة الّتي يحيا فيها تاريخ قديم ، وتسرد فيها أحداث مشابهة .
ولهذا القصص لون خاصّ واتّجاه معيّن ، ومن هنا قلت ؛ إنّ فهم القرآن لا يتمّ إلّا بفهم معالم المجتمع الّذي نزل فيه ، وإلّا بتحرّى أسباب النّزول وتواريخها ، واستقصاء الملابسات الّتي تكتنف الموضوعات كلّها ، وبهذا يصحّ أن نكون علماء بالقرآن .
وأحبّ أن أشير هنا إلى خطأ شائع ، فكثير من النّاس يظنّ أنّ التّوراة والإنجيل نزلا جملة واحدة ، ويعلّل اقتراح الأعراب نزول القرآن جملة واحدة بالاطّراد مع السّوابق الأولى ، وهذا وهم ، فمن الّذي قال : إنّ هذه الكتب نزلت كذلك ؟ وما دليله ؟ إنّ الواقع من