الفصل الثّامن والسّتّون نصّ الشّيخ محمّد الغزاليّ في كتابه : « نظرات في القرآن »
كيف نزل ؟ ولما ذا خلد ؟
لكي نفهم القرآن فهما صحيحا لا بدّ أن نفهم الأحداث الّتي عاصرته ، وأن نعي الأحوال الّتي قارنت نزوله .
فإنّ آيات القرآن وثيقة الارتباط بالظّروف الّتي جاءت فيها ، وفقه هذه الظّروف جزء من فقه الهدايات السّماويّة الّتي تعلّقت بها وتعرّضت لها .
لو أنّ القرآن نزل دفعة واحدة لا يمكن لدارسه أن يفصل بين معانيه وبين الملابسات العديدة المتشعّبة الّتي أحاطت بها ، أو لحار في وضع كلّ حكم بإزاء الحالة الدّقيقة الّتي تناسبه . أمّا والقرآن نزل مفرّقا على بضع وعشرين سنة حفلت بالحوادث الجسام ، وتتابعت عليها أطوار شتّى ، وكان نزوله على هذا النّحو يمتّ بأوثق الصّلات ؛ لتغاير الحوادث وتجدّد الأطوار ، لذلك لا بدّ في فقه القرآن من فقه الحياة نفسها الّتي أحاطت ببداية أمره ونهايته ، ولا بدّ من استيعاب التّاريخ المفصّل لهذه الفترة الخطيرة .
ومن الظّلم الفادح للقرآن الكريم أن يحاول أحد تفسيره وهو ذاهل عن الجوّ الّذي اكتنف نزول الآيات ، فإنّ تاريخ النّزول وسببه جزءان لا يمكن تجاهلهما في تكوين المعنى وإيضاح القصد ، بل لا يمكن تجاهلهما في تربية النّاس بالقرآن وأخذهم بآدابه .
وقد علّمنا اللّه عزّ وجلّ طرفا من هذه الحقيقة في هذه الآيات من القرآن :