تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » . أي أنّ اللّه نزّله مفرّقا كذلك لحكمة مرادة له ، وما كان يعجز عن إبرازه للنّاس مرّة واحدة ، لكن ذلك - لو حدث - يفوّت الآثار العظيمة المقصودة من إرسال الكلام في مواضعه الّتي يجود فيها . إنّ الكلمة في مناسبتها الدّقيقة تجيء كالعون المسعف عند الحاجة الماسّة ، أو كالحلو البارد على شدّة الظّمأ . والرّسول وهو يحمل عبء البلاغ عن ربّه ، ويشقّ طريقه وسط التّكذيب والعناد ، والقسوة والهزء ، ويمضي بأتباعه القلائل في معركة موصولة اللّيالي والأيّام ، هذا الرّسول الجادّ المصابر بحاجة إلى مدد بعد مدد من عناية اللّه الّذي يبلغ عنه ، بحاجة إلى تثبيت الوحي نفسه في مجال لا تفلح فيه قوى البشر وحدها . إنّ أصحاب الرّسالات الإنسانيّة إن لم تواتهم حظوظ طيّبة ، أو تساعدهم أقدار حسنة فشلوا حتما . والرّسالات الإنسانيّة أعمال محدودة القيمة والهدف ، فكيف بمن يحملون رسالات السّماء ؟ وهي أجل وأنبل وأثقل ما عرف العالم من توجيه وجهد . إنّ تثبيت أفئدتهم بالوحي الّذي هو أساس لظهورهم أمر لا عجب فيه ، وتفريق هذا الوحي حسب ما يلقون من متاعب وصعوبات أمر لا عجب فيه كذلك . هذا فيما يتّصل بالنّاحية النّفسيّة للرّسول ، وثمّ أمر يتّصل بطبيعة الوحي المنزل ، فإنّ اللّه يقول فيه :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
، أي بيّناه في ترسّل وتثبّت ، والتّبيين على هذه الصّورة معناه سوق الآيات على مهل ، مفرّقة تفريقا يسكب الوضوح واليقين على كلّ جزء فيها ، قد يكون في الإجمال والسّرعة نوع من الإغماض والتّجوّر . أمّا التّفصيل المتأنّي فهو دائما قرين الصّدق والدّقة ، وقد فصّلت آيات القرآن من ناحية الأسلوب ، فجاءت وقفة بعد وقفة ، وفصّلت من ناحية الموضوع ، فجاءت على قريب من ربع قرن ، كأنّ الزّمن قد جعل جزءا من شرحها ، أو عونا على ترديد صداها ، وإتاحة التّأمّل المستغرق فيها .
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 - 33 .