دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
« 1 » .
وطبيعيّ أنّ دواعي هذا التّذكير والإرشاد والتّوجيه لم تكن في وقت واحد ، بل كانت في أزمنة متعدّدة متفاوتة ، فاقتضى ذلك نزول القرآن مفرّقا على حسب ذلك .
الحكمة الثّالثة
مجاراة الحوادث والنّوازل والأحوال والملابسات في تفرّقها وتجدّدها ، وهذه الحكمة هي الّتي أشارت إليها الآية الكريمة في قوله تعالى :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
« 2 » . ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي :
1 - بيان حكم اللّه سبحانه وتعالى في الأقضية والوقائع الّتي تحدث بين المسلمين ، فقد اقتضت رحمة اللّه بعباده أنّه كلّما وقعت واقعة لم يكن حكمها معروفا عند المسلمين أن تنزّل الآية أو الآيات عقبها مبيّنة حكم اللّه فيها ، ومثال ذلك حادثة الإفك ، وهي قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
إلى قوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 3 » .
ومثل حادثة خولة بنت ثعلبة الّتي ظاهر منها زوجها أوس بن الصّامت ، أي قال لها :
أنت عليّ كظهر أمّي ، فجاءت تشتكي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتقول : إنّ أوسا أخذني وأنا شابّة مرغوب فيّ ، حتّى كبر سنّي ونثرت « 4 » له بطني ظاهر منّي ، وأنّ لي أولادا إن ضممتهم إليّ جاعوا ، وإن ضممتهم إليه ضاعوا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أراك إلّا قد حرمت عليه ، ولم أومر في شأنك بشيء » . فجعلت تجادل رسول اللّه وتحاوره ، رغبة منها أن يجد لها مخرجا في عشرة زوجها ، فأنزل اللّه سبحانه أوّل سورة المجادلة ببيان حكم الظّهار في الإسلام :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ
هامش
( 1 ) - النّور / 55 .
( 2 ) - الفرقان / 33 .
( 3 ) - النّور / 11 - 20 .
( 4 ) - أي أنجبت له أولادا ، وهو من الكنايات البديعة .