تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
وتسهيل فهمها . وهذا المعنى التّربويّ ما كان يجول بخاطر بشر في هذا العصر وفي هذه البيئة البدويّة . ممّا يدلّ على أنّ منزّل القرآن على هذه الطّريقة البديعة هو اللّه العالم بالطّبائع البشريّة والنّفوس وأسرارها . الحكمة الثّانية التّدرّج في تربية الأمّة دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا وعلما وعملا ، وهذه الحكمة هي الّتي أشار إليها الحقّ - تبارك وتعالى - بقوله :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 1 » ، ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي : 1 - التّدرّج في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضّارّة والمنكرات الماحقة ، فقد بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إلى قوم يعبدون الأصنام ، ويشركون باللّه غيره ، ويسفكون الدّماء ، ويشربون الخمر ، ويزنون ، ويغتصبون الأموال ، ويئدون البنات خشية العار ، ويقتلون الأولاد خشية الفقر ، ويظلمون النّساء ، ويتزوّجون نساء الآباء ، ويجمعون بين الأختين ، كما كانوا يتظالمون ، وتقع بينهم الحروب لأوهى الأسباب ، كناقة رعت من حمى ، أو سبق فرس ، أو نحو ذلك . وكانت الحروب تدوم بينهم عشرات الأعوام حتّى تأكل الأخضر واليابس ، وكان التّكافل والتّعاون بينهم يكاد يكون معدوما ، فلا تزاحم بين الأغنياء والفقراء ولا بين السّادة والعبيد ، ولا بين الأقوياء والضّعفاء . ومعلوم أنّ النّفس يشقّ عليها ترك ما تعوّدته مرّة واحدة ، وشديد عادة منتزعة ، والإقلاع عمّا اعتقدته بمجرّد النّهي عنه ؛ لأنّ للعقائد - حتّى ولو كانت باطلة ، وللعادات ولو كانت مستهجنة - سلطانا على النّفوس ، والنّاس أسراء ما ألفوا ونشئوا عليه ، فلو أنّ القرآن نزل جملة واحدة ، وطالبهم بالتّخلّي عمّا هم منغمسون في حمأته من كفر وجهل ومنكرات مرّة واحدة ، لما استجاب إليه أحد ، ولما وفّق الرّسول في أداء مهمّته ، ولعاد ذلك بالنّقض على الشّريعة الجديدة . لذلك اقتضت حكمة اللّه سبحانه - وللّه الحكمة البالغة - أن يتدرّج معهم في انتزاع هذه العقائد والمنكرات ، فينهاهم عن عبادة غير اللّه ، فإذا ما أقلعوا عنه ، أخذ في النّهي عن
هامش
( 1 ) - الإسراء / 106 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 540 | السيد علي الموسوي الدارابي