أُولُوا الْأَلْبابِ
« 1 » ،
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 2 » .
وقد ابتلي المسلمون في مكّة بالمشركين ، كما ابتلوا في المدينة باليهود والمنافقين ، هذا إلى اشتغالهم بأمور معايشهم ، وبإقامة الدّين ، ونشر الإسلام والدّفاع عن دعوته ، فلو نزل القرآن مرّة واحدة لما أمكنهم حفظه ولا فهمه مع وجود هذه الملابسات والظّروف المحيطة بهم .
لذلك اقتضت حكمته أن ينزل القرآن مفرّقا ، حتّى إذا ما نزلت قطعة منه أمكنهم أن يحفظوها ويجيدوا فهمها .
4 - تثبيت قلوب المؤمنين ، وتعويدهم على الصّبر والتّحمّل بذكر قصص الأنبياء والسّابقين الفينة بعد الفينة ، وتذكيرهم بأنّ النّصر مع الثّبات والصّبر ، وأنّ العاقبة للمتّقين ، والخذلان والخسران للكافرين ، اقرأ - إن شئت - قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
« 3 » . فقد ذكر عطاء أنّ المسلمين لمّا هاجروا إلى المدينة ، وتركوا الأهل والوطن والمال ، وآثروا رضاء اللّه ورسوله ، وتعرّضوا لألوان من الإيذاء والجهد والفقر والمرض ، ومعاداة اليهود والمنافقين لهم ، شقّ ذلك على نفوسهم ، فأنزل اللّه هذه الآية .
وقال تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
« 4 » ، وقال تعالى :
ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
« 5 » .
بل اقرأ هذا الوعد الّذي يستحثّ الهمم ، ويقوّي العزائم :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
هامش
( 1 ) - ص / 29 .
( 2 ) - محمّد / 24 .
( 3 ) - البقرة / 214 .
( 4 ) - آل عمران / 142 .
( 5 ) - العنكبوت / 2 - 3 .