تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
الأعداء ، أو يرجفون بها في المدينة ، فكان ضرر هؤلاء المخالطين المداجين على المسلمين أشدّ من ضرر الأعداء المكاشفين ، فلا عجب أن كشف اللّه أستارهم ، وشنّع عليهم أشدّ التّشنيع في كثير من الآيات ، فقد كان لهم بالمرصاد ، فكلّما بيّتوا أمرا أطلع اللّه عليه رسوله والمؤمنين ، أو كادوا مكيدة ردّها اللّه في نحورهم ، أو أخفوا قولا أظهره اللّه . وطبيعيّ أنّ هذه الأمور المبيّتة ، والمكايد المدبّرة ، والأقوال السّيّئة الّتي كانت تصدر عنهم لم تكن في وقت واحد ، بل كانت في أزمنة متفرّقة ، فمن ثمّ جاء القرآن مفرّقا . وإن شئت أمثلة لما كان يفعله المنافقون ويقولونه ، وإظهار اللّه لحالهم ، فاقرأ معي قول اللّه سبحانه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
، إلى قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » ، وقوله :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى . . .
الآيتين « 2 » . وقد أنزل اللّه في شأنهم سورة بتمامها ، وهي سورة المنافقين كما ذكر الكثير من أحوالهم في سورة التّوبة . وما زال اللّه سبحانه يقول في هذه السّورة ؛ ومنهم . . . ومنهم . . . حتّى فضحهم أشدّ فضيحة ، وجعلهم مثلا لسوء الطّباع والأخلاق والنّذالة والدّسّ والوقيعة في الأوّلين والآخرين . الحكمة الرّابعة بيان إعجاز القرآن الكريم على أبلغ وجه وآكده ؛ لأنّ القرآن لو نزل جملة واحدة لقالوا : شيء جاءنا مرّة واحدة ، فلا نستطيع أن نعارضه ، ولو أنّه جاءنا قطعا قطعا لعارضناه ، فأراد ربّك أن يقطع عليهم دابر المعذرة والتّعلّل ، فأنزله مفرّقا . وكأنّ اللّه سبحانه يقول لهم بعد نزول قطعة منه : إن كنتم ترتابون في أنّ هذا المنزل على هذا الموضع من عند اللّه ، فأتوا أنتم بقطعة مشابهة له . وقد ذكرنا سابقا أنّ اللّه تحدّى النّاس كافّة بالقرآن على مراتب متعدّدة ؛ كي تقوم عليهم الحجّة تلو الحجّة ، ولو أنّ القرآن نزل جملة واحدة لما أمكن تكرّر التّحدّي في
هامش
( 1 ) - البقرة / 8 - 20 . ( 2 ) - النّساء / 142 - 143 .