الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ . . .
الآيات « 1 » .
ومثل ما حدث في حنين ، فقد اغترّ المسلمون بكثرتهم ، حتّى قال قائل في هذا اليوم :
لن نهزم من قلّة . ولم يعتمدوا على اللّه حقّ الاعتماد في طلب النّصر ، فكانوا أن منوا بالهزيمة أوّلا ، ولولا تدارك اللّه تعالى لهم برحمته : ، وثبات النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وحوله فئة قليلة من أبطال أصحابه ، وإنزال الملائكة مثبّتة لقلوبهم ومقوّية لروحهم لكانت الهزيمة . اقرأ معي قول اللّه سبحانه :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
، إلى قوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 2 »
وقد كانت حنين درسا ، تعلّم منه المسلمون أنّ النّصر ليس بالعدد والعدّة فحسب ، وإنّما هو من عند اللّه ، وأنّ الاغترار ليس من خلق المسلم ، وأنّ الأسباب العادية لا ينبغي أن تشغل المسلم عن اللّجوء إلى اللّه :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
« 3 » ومثل ما حدث من حاطب بن أبي بلتعة قبيل الفتح ، فقد كان رسول اللّه حريصا على أن تتمّ غزوة الفتح في سرّيّة تامّة ، ولكنّ حاطبا كان له أهل في مكّة وكانوا ضعفاء ، فأحبّ أن تكون لهم يد على قريش ؛ كي يكرموا أهله ، فأرسل إلى قريش رسالة في السّرّ بخبر الغزوة ، ولكنّ الوحي نزل مخبرا لرسول اللّه ، فأرسل من أحضر الرّسالة ، وقد حاول بعض الصّحابة قتله زاعما أنّه بعمله صار منافقا ، ولكنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لمّا استمع إلى وجهة نظره وعلم صدقه عفا عنه ، فأنزل اللّه في ذلك آيات وهو قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ . . .
الآيات « 4 » .
ومعلوم أنّ هذه الأغلاط لم تقع في وقت واحد ، فكان نزول القرآن مفرّقا لذلك .
4 - تحذير المسلمين من المنافقين ، والكشف عن خبيئة نفوسهم ، فقد كانوا بحكم تظاهرهم بالإسلام يختلطون بالمسلمين ، ويطّلعون على أسرارهم وأحوالهم فينقلونها إلى
هامش
( 1 ) - آل عمران : 152 وما بعدها .
( 2 ) - التّوبة / 25 - 27 .
( 3 ) - آل عمران / 126 .
( 4 ) - الممتحنة / 1 وما بعدها .