منكر غيره وهكذا .
وكذلك كان القرآن يتدرّج معهم في انتزاع المنكر الواحد ، كما حدث في تحريم الخمر ، فقد نزل فيها أوّل ما نزل :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
« 1 » ، فشربها قوم وتركها آخرون . . . فمن ثمّ اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرّقا .
2 - التّدرّج في تثبيت العقائد الصّحيحة ، والأحكام التّعبديّة والعمليّة والآداب والأخلاق الفاضلة ، فأمرهم أوّلا بالإيمان باللّه وصفاته وعبادته وحده ، حتّى إذا ما آمنوا باللّه دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر ، ثمّ بالإيمان بالرّسل والملائكة . حتّى إذا ما اطمأنّت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبّه ، سهل عليهم بعد ذلك تقبّل الأوامر والتّشريعات التّفصيليّة ، والأحكام العمليّة والفضائل والآداب العالية ، فأمروا بالصّلاة والصّدق والعفاف ، ثمّ أمروا بالزّكاة ثمّ بالصّوم ثمّ بالحجّ . وبيّن لهم أحكام النّكاح والطّلاق والرّجعة والمعاملات من بيع وشراء وتجارة وزراعة ودين ورهن إلى غير ذلك من المعاملات الصّحيحة منها وغير الصّحيحة .
ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكّيّ على إثبات العقائد والفضائل الّتي لا تختلف باختلاف الشّرائع ، بخلاف القسم المدنيّ ، فكان مدار التّشريعات فيه على الأحكام العمليّة وتفصيل ما أجمل قبل ذلك .
[ ثمّ ذكر رواية عائشة نقلا عن البخاريّ كما تقدّم عن السّيوطيّ ، فقال : ]
ولا شكّ أنّ من طبيعة التّدرّج نزول آيات القرآن وسوره بعضها في إثر بعض ، وقد دلّ القرآن بهذه السّياسة الرّشيدة في إصلاح الشّعوب وتهذيبها على أنّه معجز وأنّه من عند اللّه ، فما كان لبشر - مهما كان ذكيّا - أن يتوصّل إلى هذه الطّرق الحكيمة في ذلك الوقت الّذي بعث فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنّما ذلك من صنع الحكيم العليم الخبير .
3 - تيسير حفظه وفهمه على الأمّة ، فقد أوجب اللّه على المسلمين حفظ ألفاظه كما أوجب عليهم فهم معانيه ؛ قال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ
هامش
( 1 ) - البقرة / 219 .