النّزول الثّاني
قلنا فيما سبق : إنّ القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر ، وهذا هو النّزول الأوّل ، وكان النّازل به جبريل عليه السّلام ، فألقاه على السّفرة الكرام البررة ، فقيّدوه في صحفهم المكرّمة ، كما قال تعالى :
كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ
« 1 » ، وهم الملائكة المختصّون بذلك .
وقد بقي القرآن محفوظا في هذه الصّحف المرفوعة المطهّرة بأيدي هؤلاء الملائكة الكرام البررة ، حتّى أذن اللّه لهذا النّور الإلهيّ أن يسطع في أرجاء الأرض ، ولهدايته الرّبّانيّة أن تتدارك النّاس ، وتخرجهم من ظلمات الشّرك والجهالة والضّلال إلى نور الإيمان والهدى والعرفان ، على يد مخلّص البشريّة ، ومنقذ الإنسانيّة سيّدنا ونبيّنا محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنزل عليه القرآن هاديا ومبشّرا ونذيرا للخلق أجمعين ؛ ليكون آيته الكبرى ، ومعجزته الباقية على وجه الدّهر شاهدة له بالصّدق ، وأنّه يوحى إليه من ربّه ، وهذا هو النّزول الثّاني للقرآن .
وشواهد هذا النّزول أكثر من أن تحصى ؛ قال تعالى شأنه :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
« 2 »
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 3 » وقال تعالى :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
« 4 »
مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
« 5 » ، وقال تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
« 6 » ، وقال :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ
هامش
( 1 ) - عبس / 11 - 16 .
( 2 ) - عبّر به للدّلالة على أنّ القلب قد وعاه بعد أن وعته الآذان .
( 3 ) - الشّعراء / 192 - 195 .
( 4 ) - هو جبريل الأمين على الوحي .
( 5 ) - النّحل / 102 .
( 6 ) - الكهف / 1 - 4 .