بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وبه قال الشّعبيّ ، وكان صاحب هذا القول ينفي النّزول جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا .
وقد ذهب إلى هذا الرّأي من المتأخّرين الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده في تفسير جزء « عمّ » ، فقد نقل كلام الشّعبيّ وقوّاه . وقال : إنّ ما جاء من الآثار الدّالّة على نزوله جملة واحدة إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، ممّا لا يصحّ الاعتماد عليه ؛ لعدم تواتر خبره عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنّه لا يجوز الأخذ بالظّنّ في عقيدة مثل هذه ، وإلّا كان اتّباعا للظّنّ « 1 »
وأعقّب على قول الإمام فأقول : إنّ مسألة نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدّنيا ليست من العقائد الّتي يتحتّم تواتر الأخبار بها ، والّتي لا بدّ فيها من العلم القطعيّ اليقينيّ ، مثل وجود اللّه وصفاته ، ونحو ذلك من العقائد ، وإنّما يكفي فيها الأخبار الصّحيحة الّتي تفيد غلبة الظّنّ ورجحان العلم ، ثمّ إنّ من قال : إنّ مثل هذه الحقيقة الغيبيّة لا بدّ فيها من تواتر الأخبار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، إنّ كثيرا من السّمعيّات يكتفي فيها بالأخبار الصّحيحة الّتي تفيد رجحان العلم بما دلّت عليه ، وعلى هذا جرى العلماء سلفا وخلفا . ثمّ إنّ تأويل الآيات بأنّ المراد ابتداء الإنزال صرف للآيات عن ظواهرها ، وقد بيّنت أنّ ظاهر الآيات يشهد للنّزول جملة واحدة ، والظّواهر لا يعدل عنها إلّا بصارف ، وأنّى هو ؟
وبعد ، فالقول الأوّل هو الرّاجح والصّحيح الّذي تشهد له الآيات والآثار . حكمة هذا النّزول : والحكمة في هذا النّزول أمران ؛
1 - تفخيم شأن القرآن وشأن من نزل عليه وشأن من سينزل إليهم ، بإعلام سكّان السّماوات من الملائكة ، بأنّ هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرّسل لأشرف الأمم ، وهي الأمّة الإسلاميّة ، وفي هذا تنويه بشأن المنزل والمنزل عليه والمنزل إليهم .
2 - تفضيل القرآن الكريم علي غيره من الكتب السّماويّة ، بأن جمع اللّه له النّزولين :
النّزول جملة واحدة ، والنّزول مفرّقا . وبذلك شارك الكتب السّماويّة في الأولى ، وانفرد في الفضل عليها بالثّانية ، وهذا يعود بالتّفضيل لنبيّنا محمّد على سائر إخوانه من الأنبياء ذوي الكتب المنزلة ، وأنّ اللّه جمع له الخصائص ما لغيره وزاد عليها .
هامش
( 1 ) - تفسير جزء « عمّ » : 122 ط بولاق .