أين كان القرآن قبل النّزول ؟
يقول اللّه تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 1 » فقد دلّت الآية على أنّ القرآن كان قبل نزوله ثابتا وموجودا في اللّوح المحفوظ ، وهذا اللّوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الّذي ذكره اللّه تعالى في قوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » فالظّاهر والّذي عليه جمهور المفسّرين أنّ الكتاب المكنون هو اللّوح المحفوظ ، ومعنى
مَحْفُوظٍ
أنّه عن استراق الشّياطين ، ومحفوظ عن التّغيير والتّبديل ، ومعنى
مَكْنُونٍ
مصون محفوظ عن الباطل ، والمعنيان متقاربان .
واللّوح المحفوظ هو السّجل العامّ الّذي كتب اللّه فيه في الأزل كلّ ما كان وكلّ ما يكون . والواجب علينا أن نؤمن به وأنّه موجود ثابت ، أمّا البحث فيما وراء ذلك ، كالبحث في حقيقته وماهيّته ، وعلى أيّ حالة يكون ؟ وكيف دوّنت فيه الكائنات ؟ وبأيّ قلم كتب ؟
فلا يجب الإيمان علينا به ؟ إذ لم يرد عن المعصوم عليه السّلام في ذلك حديث صحيح ، وكلّما ورد إنّما هي آثار عن بعض الصّحابة والتّابعين لا تطمئنّ إليها النّفس « 3 » .
وحكمة وجود القرآن في اللّوح المحفوظ ترجع إلى الحكمة العامّة من وجود اللّوح المحفوظ نفسه ، وإقامته سجلّا جامعا لكلّ ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتّكوين ، فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر الدّالة على عظمة اللّه وعلمه وإرادته ، وواسع سلطانه وقدرته . ولا شكّ أنّ الإيمان به يقوّي إيمان العبد بربّه من هذه النّواحي ، وبعث الطّمأنينة إلى نفسه ، والثّقة بكلّ ما يظهر اللّه لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه وسائر أقضيته ، كما يحمل النّاس على السّكون والرّضا تحت سلطان القدر والقضاء ، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرّائها وسرّائها كما قال جلّ شأنه :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى
هامش
( 1 ) - البروج / 21 - 22 .
( 2 ) - الواقعة / 77 - 80 .
( 3 ) - انظر تفسير « القرطبيّ » و « ابن كثير » و « الآلوسيّ » في تفسير آية البروج .