يقع ، لأنّ الإنزال كان بعد حدوث هذا القول وصدوره ، فكان ينبغي أن يقول : إنّا ننزّله في ليلة القدر .
والشّبهة على هذا هي الشّبهة الأولى بعينها ، غير أنّ المستشكل خصّها بهذا الخبر من أخبار القرآن ، ولم يلتفت إلى بقيّة أخباره بلفظ ماض عمّا لم يقع حتّى حين النّزول على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، بل لا يكون إلّا في يوم القيامة .
الجهة الثّانية : هي أنّ قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
يحكي عن نزول القرآن في ليلة القدر ، فلو كان هو أيضا من المنزل في ليلة القدر لزم اتّحاد الدّالّ والمدلول ، أو تركّب القضيّة من جزءين ، لأنّه إن اعتبر دلالته على نزول نفسه في ليلة القدر أيضا لزم اتّحاد الدّالّ والمدلول ، وإلّا لزم تركّب القضيّة من جزءين ، لأنّ القضيّة على هذا إنّما تحكي عن المحمول والنّسبة دون الموضوع ، فتكون القضيّة المحكيّة بها إذن مركّبة من جزءين :
المحمول والنّسبة . مع امتناع تركّبها إلّا من ثلاثة أجزاء ؛ لأنّ النّسبة لا تقوم إلّا بالمنتسبين ، بل تمتنع حكاية القضيّة عن النّسبة إذا لم تحك عن الموضوع ؛ لأنّ النّسبة لا تقوم بطرف واحد .
والجواب : إنّا نختار الشّقّ الأوّل ونجيب عن إشكال لزوم اتّحاد الدّالّ والمدلول بأنّه يكفي تعدّدهما اعتبارا ، وإن اتّحدا ذاتا ، ثمّ نختار الشّقّ الثّاني ونجيب عن إشكال تركّب القضيّة من جزءين بأنّه إنّما يلزم لو لم يكن الموضوع في القضيّة المحكيّة نفس هذا القول ، وإلّا كان أجزاؤها الثّلاثة تامّة ، وكان المحمول منتسبا إليه ، وهو نفس الموضوع لا الحاكي عنه . وهذا ممكن ، غير أنّه ليس من باب استعمال اللّفظ في المعنى ، وإنّما هو من باب إيجاد الموضوع وإحضاره في ذهن المخاطب خارجا . فالقضيّة اللّفظيّة مؤلفة من وجود الموضوع واللّفظ المحمول فتكون القضيّة المحكيّة المعنويّة أجزاؤها الثّلاثة تامّة .
هذا ، مع أنّ دلالة الآية على نزول نفسها في ليلة القدر دلالة ضمنيّة ، أي أنّها تدلّ على نزول نفسها ضمن دلالتها على نزول القرآن في ليلة القدر ، وهذه لا يأتي فيها ما يأتي فيما إذا أطلق اللّفظ وأريد به نفسه من لزوم اتّحاد الدّالّ والمدلول ، أو تركّب القضيّة من جزءين ، كما في « الفصول » و « كفاية الأصول » . ( ص : 147 - 173 )